• Home  
  • اختبار الأيام الصعبة..
- امرأة ومجتمع

اختبار الأيام الصعبة..

نادية المحمداوي نعيش في هذه الأيام واحدًا من أصعب الاختبارات التي يمكن أن يمرّ بها الإنسان؛ اختبارًا قاسيًا تفرضه الحروب والصراعات التي تحيط بنا من كل جانب، وتضع الشعوب أمام أسئلة كبرى لا تتعلق بالحاضر وحده، بل بما ينتظرها في المستقبل. الحرب في ظاهرها مواجهة بين قوى متصارعة، لكنها في حقيقتها امتحان لمجتمعات بأكملها. فحين […]

نادية المحمداوي

نعيش في هذه الأيام واحدًا من أصعب الاختبارات التي يمكن أن يمرّ بها الإنسان؛ اختبارًا قاسيًا تفرضه الحروب والصراعات التي تحيط بنا من كل جانب، وتضع الشعوب أمام أسئلة كبرى لا تتعلق بالحاضر وحده، بل بما ينتظرها في المستقبل.

الحرب في ظاهرها مواجهة بين قوى متصارعة، لكنها في حقيقتها امتحان لمجتمعات بأكملها. فحين تبدأ الصواريخ بالسقوط، لا تبقى السياسة بعيدة عن حياة الناس، بل تدخل إلى بيوتهم، وتقتحم تفاصيل يومهم، وتحوّل الأمن الذي اعتادوا عليه إلى سؤال دائم.

والأصعب أن نتائج الحروب لا تتوقف عند لحظة إطلاق النار. هناك مدن تفقد ملامحها، وعائلات تفقد أبناءها، وأطفال يكبرون وهم يحملون ذاكرة الخوف، وأجيال تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد شعورها الطبيعي بالحياة.

نحن أمام مشهد عالمي شديد التعقيد؛ صراعات تتداخل فيها السياسة بالمصالح الاقتصادية والأمنية، والتاريخ بالجغرافيا، وتتنافس القوى على النفوذ بينما تبقى الشعوب في قلب العاصفة.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح من الضروري أن نتذكر ما يجمعنا، لا ما يفرقنا. فمهما اختلفت المواقف السياسية وتعددت القراءات، تبقى هناك روابط أعمق من الخلافات: الأرض، والذاكرة، والمصير، والرغبة في أن يعيش الإنسان آمنًا في وطنه.

ومصير الشيعة، كما مصير كثير من الجماعات والشعوب التي عاشت مراحل طويلة من الصراع، لا يمكن اختزاله في الحسابات السياسية وحدها. إنهم يحملون تاريخًا من الألم والصبر، وذاكرة جماعية تشكلت عبر عقود من الأحداث، لكنهم في النهاية، مثل أي جماعة أخرى، يبحثون عن الاستقرار والأمان ومستقبل لا يكون فيه الإنسان رهينة للصراع.

إن الخطر الأكبر في زمن الحروب هو أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، والقلق إلى كراهية، والخوف إلى رغبة في الانتقام. وحين يحدث ذلك، تصبح المجتمعات أكثر هشاشة، حتى بعد أن تهدأ الجبهات.

لهذا فإن مسؤولية الوعي تصبح كبيرة. علينا أن نفرّق بين الموقف السياسي وبين الإنسان الذي قد يجد نفسه مضطرًا لدفع ثمن قرارات لم يشارك في صنعها. فالمدني الذي يبحث عن مأوى ليس طرفًا في الصراع، والطفل الذي يفقد منزله لا يعرف شيئًا عن خرائط النفوذ، والأم التي تنتظر عودة ابنها لا يعنيها كثيرًا من انتصر في المعركة بقدر ما يعنيها أن يعود حيًا.

وهنا تحديدًا يظهر المعنى الحقيقي للإنسانية؛ أن نحافظ على قدرتنا على رؤية الإنسان حتى في الطرف الآخر من الخلاف، وأن نرفض أن يتحول الأبرياء إلى مجرد أرقام في نشرات الأخبار.

لقد أثبتت التجارب أن الحروب قد تنتهي سياسيًا، لكن آثارها تبقى في النفوس سنوات طويلة. ولذلك فإن إعادة بناء المدن وحدها لا تكفي؛ فالمجتمعات تحتاج أيضًا إلى إعادة بناء الثقة، وإلى معالجة الجروح التي تركتها سنوات الخوف والانقسام.

ومن أخطر ما تتركه الصراعات أنها تعيد تشكيل صورة الآخر في أذهان الناس. يتحول المختلف إلى خصم، ثم إلى عدو، ثم يصبح التخلص منه في نظر البعض أمرًا مقبولًا. وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن المجتمع الذي يفقد قدرته على قبول الاختلاف يفقد جزءًا من قدرته على بناء المستقبل.

نحتاج اليوم إلى خطاب أكثر هدوءًا وعقلانية؛ خطاب لا ينكر الخلافات، لكنه لا يسمح لها بأن تتحول إلى كراهية. خطاب يحمي حق الناس في الاختلاف، ويضع حياة المدنيين وكرامتهم فوق الحسابات السياسية.

فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس فقط بعدد الأسلحة، ولا بحجم الجيوش، وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها، وصيانة كرامتهم، ومنح الأجيال القادمة فرصة لحياة أفضل.

وربما لا نستطيع نحن، كأفراد، أن نوقف حربًا أو نغيّر قرارات دول، لكننا نستطيع أن نختار اللغة التي نتحدث بها، والمواقف التي نتبناها، والطريقة التي ننظر بها إلى الآخر. وهذه مسؤولية ليست صغيرة كما تبدو.

الأيام الصعبة تكشف معدن المجتمعات. تكشف من يختار التحريض، ومن يختار الصمت، ومن يستطيع أن يقف إلى جانب الضعفاء دون أن يسأل أولًا عن هويتهم.

وفي وسط كل هذا الخراب، تبقى هناك نافذة صغيرة للأمل. فالتاريخ لم يكن دائمًا طريقًا مستقيمًا، والشعوب التي مرت بأشد الأزمات استطاعت في أوقات كثيرة أن تبدأ من جديد.

ربما لن نستطيع تغيير ما حدث، لكننا نستطيع أن نقرر كيف نخرج من هذه المرحلة؛ هل نخرج أكثر انقسامًا، أم أكثر وعيًا؟ هل نترك لأبنائنا ذاكرة مليئة بالكراهية، أم نمنحهم فرصة لكتابة تاريخ مختلف؟

الحرب قد تغيّر خرائط السياسة، وقد تسقط تحالفات وتولد أخرى، لكنها لا ينبغي أن تسمح لنا بفقدان البوصلة الأخلاقية.

ففي الأيام الصعبة لا تُختبر الجيوش وحدها، ولا تُختبر الدول وحدها؛ يُختبر الإنسان أيضًا.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع السياسة وحدها الإجابة عنه:

بعد أن تهدأ أصوات الحرب، ماذا سيبقى لدينا؟ وماذا سنترك للأجيال التي ستأتي بعدنا ..

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026