
محمد العجيلي
عند أطراف أهوار جنوب العراق، يتذكّر صيّادٌ مسنّ سطحَ الماء كما كان قبل أربعين عاماً. كانت القصبُ يعلو فوق الرؤوس، والجواميسُ تسير في المياه الضحلة، وأسرابُ الطيور المهاجرة تحجب ضوء الفجر. أمّا اليوم، فالأرضُ تحت قدميه متشقّقةٌ كراحةِ يدٍ عجوز، ومتوسطُ الحرارة ارتفع بنحو درجتين مئويتين، والأمطارُ تراجعت تراجعاً حاداً. وعلى بُعد مئات الكيلومترات، في بغداد، يحني حفيدُه رأسه على هاتفه، وقد اعتاد سماءً صفراءَ غبارية، ومؤشرَ تلوّثٍ يتجاوز المئة والخمسين، ليضع المدينة في صدارة أكثر مدن العالم تلوّثاً. و0ذه ليست هذه فجوةً بين جيلين. إنها شرخٌ يتّسع بين حضارةٍ وجذورِ بقائها.
أولاً: حين تقرّر الطبيعةُ مصيرَ الحضارات
في القرن الرابع عشر، طرح المؤرخ والفيلسوف العربي ابن خلدون إطاراً لا يزال يحتفظ بحدّته: صعودُ الحضارات وأفولُها متجذّرٌ في التفاعل بين الشروط الطبيعية واستجابة الإنسان لها. الجغرافيا والمناخ والمياه والتنوّع الحيوي – هذه شروطٌ موضوعية ترسم خطّ انطلاق المجتمع. ولا يبلغ الازدهارَ إلا من يُحسن التكيّف مع بيئته بعقلانية.
وقد تحقّقت هذه الرؤية على أطول مدى في حوض دجلة والفرات. فهذان النهران لم يمنحا العراق فقط مياهَ الريّ والشرب، بل صنعا شرايينَ التجارة والتلاقح وانتقال الأفكار. وكما لاحظ مؤرخو البيئة الأوائل، فإن الوديان النهرية هي أكثرُ مهدٍ طبيعيّ للحضارة.
لكن الأرضَ ذاتها تحمل تحذيراً معاكساً. فحين تُهمَل البيئةُ وتُستنزَف وتُلوَّث، يبدأ الأساسُ في التصدّع.
ثانياً: العراق.. “جنّة عدن” التي تتلاشى
يعيش العراق اليوم هذا التصدّع بوتيرة غير مسبوقة. فقد شهدت أهوار بلاد الرافدين – وهي منظومةٌ رطبةٌ مُدرجةٌ على قائمة التراث العالمي لليونسكو – تدهوراً منهجياً بين عامَي 1970 و2023. وارتفاعُ الحرارة، وانحسارُ الأمطار، وتراجعُ الواردات المائية من دول المنبع، وتفاقمُ التبخّر، أسهمت جميعاً في تقلّص الأهوار على نطاق واسع، وتملّح التربة، وانهيار التنوّع الحيوي. وتبع ذلك تراجعٌ حادٌّ في رعي الجواميس وصيد الأسماك وحصاد القصب، وتفاقمُ الفقر الريفي، ونزوحٌ قسريّ نحو المدن.
ثالثاً: المنفصل ليس الأرضَ وحدها.. بل الإنسان أيضاً
لكنّ الخطرَ الأعمق ربما لا يكمن في بيانات البيئة، بل في إدراك الناس لها. فالأدبياتُ المتنامية في علم النفس البيئي وعلم النفس الإيكولوجي تشير إلى أن الحياة الصناعية تنخْرِزُ الرابطةَ الحيوية بين الإنسان والطبيعة غير البشرية. وللإنسان حاجةٌ فطرية عميقة، منحَتْها إياه مسيرةُ التطوّر، إلى الألفة مع الطبيعة. وحين تُقطع هذه الرابطة، لا يتضرّر النظامُ البيئي وحده، بل يتضرّر التكاملُ النفسي للإنسان أيضاً.
وقد وصف ريتشارد لوف حالةً متزايدة الانتشار بأنها “اضطراب نقص الطبيعة”: تراجعُ احتكاك الأطفال والمراهقين بالطبيعة، وما يترتّب عليه من ضعف التركيز واضطراب المزاج وضمور الإبداع. وبالمقابل، فإن قلّةَ الخبرة الطبيعية تُضعف الدافع لحماية الطبيعة – فيتكوّن حلقةً مفرغةً قاسية.
وفي العراق، تبدو هذه الحلقة أكثر قسوة. فجيلٌ من الشباب نشأ تحت سماء ملوّثة، محاصراً بالخرسانة، مدمناً على الشاشات، يتنقّل بين دخان حرق النفايات. كثيرون منهم لم يطأوا أهواراً سليمة، ولم يروا أسرابَ الطيور المهاجرة، ولم يخوضوا ماءً صافياً في دجلة. فإذا لم تكن الطبيعة قد عاشها الإنسان يوماً، فكيف يشتاق إليها؟ وإذا لم يشتق إليها، فكيف يحميها؟
رابعاً: في موضع الشرخ.. كيف نعيد الوصل؟
فكيف يمكن للشباب العراقي أن يصبح قوّةً لإعادة وصل الإنسان بالبيئة؟
أولاً: من “المعرفة” إلى “الإحساس”. تُظهر دراسات المشاركة البيئية أن المحاضرات والأنشطة المغلقة محدودةُ الأثر في بناء ارتباط بيئي عميق. التحوّلُ الحقيقي يحدث في التجربة – على حافة الأهوار، وعلى ضفاف الأنهار، وفي الزوايا الطبيعية التي لم تُدمَّر بعد. ولا يزال العراق يمتلك إرثاً طبيعياً ملموساً: أهوار الجنوب، وجبال الشمال، وبعض مقاطع دجلة والفرات. وإدخالُ الشباب إلى هذه الفضاءات باحترام هو الخطوةُ الأولى لإعادة الوصل.
ثانياً: تحويل الحكايات المحلية إلى سردٍ عام. حين يصوّر الشبابُ بهواتفهم دخانَ حرق النفايات، ويوثّقون انحسارَ الأهوار، ويروون قصةَ صيّادٍ فقد مصدر رزقه – يتحوّل المحتوى من بيانات بيئية مجرّدة إلى ذاكرةٍ جماعيةٍ محسوسةٍ قابلةٍ للنقل.
ثالثاً: البدء من المبادرة المجتمعية لا انتظار الحلول الحكومية. يعاني الإطارُ العراقي لحوكمة المناخ من فجواتٍ تنفيذية واضحة: غيابُ جداولٍ زمنية محدّدة في النصوص السياسية، وضعفُ آليات المساءلة، وقلّةُ التوجيهات المؤسسية التي تعني المجتمع المدني صراحةً. وفي ظلّ هذه الشروط، فإن انتظارَ الحلول من الأعلى يعني ترك المشكلة تتفاقم. أمّا المبادراتُ المجتمعية التي يقودها الشباب – حملاتُ التنظيف، والتشجير، والتثقيف البيئي، والرصد المدني – فرغم محدودية نطاقها، تبني رأسَ المال الاجتماعي والخبرةَ العملية على المستوى المحلي.
رابعاً: إعادة اكتشاف “الرعاية” كفعلٍ سياسي. جوهرُ المشاركة البيئية ليس “إدارة” الطبيعة، بل “الرعاية” لها. والرعايةُ تعني علاقةً ومسؤوليةً وتبادلاً. وفي السياق العراقي، يمكن لهذه الرعاية أن تستند إلى تقليدٍ ثقافي عميق – من مركزية النهر في نشأة الحضارة، إلى حضور الأرض في الهوية. وإعادةُ تعريف الشباب بهذا التقليد ليست حنيناً إلى الماضي، بل تفعيلٌ لذاكرةٍ جماعيةٍ طمسها التحديث والصراع.
في الأسطورة الخلقيّة لبلاد الرافدين، خُلق الإنسان “ليخدم الآلهة” – والآلهة، في أقدم الفهم، هي قوى الطبيعة. وبعد آلاف السنين، تحوّلت الخدمةُ إلى قهر، والقهرُ إلى اغتراب، والاغترابُ إلى لامبالاة.
لا يحتاج العراق إلى مزيدٍ من التقارير والاستراتيجيات البيئية. يحتاج إلى مزيدٍ من الشباب الذين يقفون على أرضٍ حقيقية، يتنشّقون هواءً حقيقياً، يرون جرحاً حقيقياً، ثم يقرّرون: أنا هنا، وسأفعل شيئاً.
هذا هو الوصل. وهذا هو البداية.


