
عبد الرحمن أحمد العكيدي
في مرحلةٍ ما من حياتنا، نتعلم كيف نؤجل الأشياء التي نحبها دون أن نشعر أننا نخسرها. نقول: «سأبدأ غدًا»، «حين تتحسن ظروفي»، «حين أمتلك المال»، «حين أجد الوقت المناسب». تبدو هذه العبارات في ظاهرها أعذارًا مؤقتة، لكنها قد تتحول، مع مرور الأيام، إلى طريقةٍ كاملة في العيش.
الشباب اليوم لا تنقصهم الأحلام، ولا تخلو عقولهم من الأفكار والطموحات؛ لكن كثيرًا منهم يعيشون في منطقةٍ رمادية بين ما يريدون وما يستطيعون فعله. ينتظرون فرصةً مثالية، وبدايةً مثالية، وظروفًا مثالية، وكأن الحياة ستمنحهم يومًا كل ما يحتاجونه دفعةً واحدة. والحقيقة أن الحياة نادرًا ما تأتي مكتملة؛ نحن الذين نتعلم كيف نصنع من الناقص بداية.
المشكلة ليست في أن ننتظر أحيانًا، فالانتظار قد يكون حكمة، والصبر قد يكون ضرورة. المشكلة حين يصبح الانتظار عادة، وحين نستخدم الظروف ذريعةً لإخفاء خوفنا من المحاولة. فالفشل في تجربةٍ واحدة لا يعني نهاية الطريق، بينما عدم المحاولة قد يحرم الإنسان حتى من معرفة قدرته الحقيقية.
إن أخطر ما يفعله التأجيل أنه لا يسرق منا الأحلام مباشرة، بل يسرق منا الشخص الذي كان قادرًا على تحقيقها. تمر السنوات، وتتغير الأولويات، وتضعف الحماسة، ثم نلتفت إلى الوراء فنكتشف أن بعض الأشياء التي كنا نظن أننا نؤجلها قليلًا قد أصبحنا نؤجلها إلى الأبد.
ولذلك، ربما نحتاج إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم تأتِ الظروف التي ننتظرها؟ هل سنبقى واقفين في المكان نفسه؟ أم سنبدأ بما نملك، ومن حيث نقف، وبالإمكانات المتاحة لنا الآن؟
ليس المطلوب أن يقفز الإنسان فوق واقعه، ولا أن يتجاهل مسؤولياته، وإنما أن يمنح نفسه فرصةً للمحاولة. قد تكون الخطوة صغيرة، وقد يكون الطريق طويلًا، وقد لا تكون النتائج كما نتمنى، لكن الحركة في اتجاه الحلم تظل أفضل من الوقوف أمامه سنواتٍ طويلة.
فالأحلام لا تموت دائمًا لأننا عجزنا عن تحقيقها، بل قد تموت لأننا ظللنا نؤمن أن وقتها لم يحن بعد.
نحن لا نؤجل أحلامنا… نحن نؤجل أنفسنا.
وربما تكون البداية الحقيقية حين نتوقف عن انتظار الحياة التي نريدها، ونبدأ بصناعة الجزء الذي نستطيع منه اليوم.
وَمَن يَزرَعِ الآمالَ في غيرِ عَزمِهِ
يُضيِّعْ لياليهُ بَينَ انتظارِ
وَمَن خافَ دربَ الحلمِ ماتَتْ خُطاهُ
وأصبحَ بعدَ العمرِ رَهْنَ انكسارِ
فَبادِرْ، فَإنَّ العُمرَ أَسرَعُ راحلٍ
وما عادَ مَن ولّى لِدَربِ الفرارِ
وَخُذْ مِنْ صِباكَ اليومَ عزمًا لِغَدِكَ
فَإنَّكَ لا تَحيا مَرَّتَيْنِ في الدارِ.


