
شيرين مراد
في ريفٍ عراقيٍّ بعيد، لا تزال جدّةٌ سبعينيةٌ تعرف أسماء الأعشاب البرية التي تُعالج بها أبناءَ القرية، وتخزّن بذورَ الخضروات كلَّ خريف، وتعيد تدوير بقايا الطعام علفاً لدواجنها. وعلى بُعد بضع مئات من الكيلومترات، في مولٍّ تجاريٍّ في العاصمة، تلتقط حفيدتُها صورةً لنفسها أمام واجهة متجرٍ للأزياء الفاخرة، بحثاً عن “تأثير” يلائم متابعيها. بين الجدّة والحفيدة، لا تفصلُ المسافةُ الجغرافيةُ وحدها، بل يفصلُ تحوّلٌ عميقٌ في وظيفة المرأة ودورها: من حاضنةٍ للطبيعة ومنتِجةٍ للقيم، إلى كائنٍ استهلاكيٍّ يلهثُ خلف الشكل والمظهر.
لم يكن ارتباطُ المرأة بالبيئة يوماً مصادفةً، بل كان بنيةً أنثروبولوجيةً راسخة. ففي المجتمعات الزراعية الأولى، كانت المرأةُ هي من تختار البذور، وتحدّد مواعيدَ الزرع والحصاد، وتحافظ على مخزون الأسرة الغذائي، وتنقل المعرفةَ البيئية من جيلٍ إلى جيل. وفي كثير من الثقافات، ارتبطت الأرضُ نفسها بالأنوثة – “الأمّ الأرض”، و”الطبيعة الأمّ” – في استعارةٍ ليست مجرّد مجاز لغوي، بل تعبيرٌ عن علاقةِ رعايةٍ وولادةٍ متبادلة.
وتُقدّم الدراساتُ الحديثة في علم الاجتماع البيئي تأكيداً لهذا الرباط. ففي مجتمعاتٍ كثيرة، تتّخذ النساءُ قراراتٍ بيئيةً يوميةً – من ترشيد المياه إلى إدارة النفايات المنزلية إلى اختيار المحاصيل – بمعدّل يتجاوز كثيراً ما يُنسب إليهنّ من “دور”. ويُروى في هذا السياق أن أول من أطلق مفهومَ “الاقتصاد البيئي” في صورته العائلية كان عائلاتٌ زراعيةٌ يديرها النساء، وهنّ من ابتكرن أولى أشكال إعادة التدوير في التاريخ.
لكن هذا الرباط بدأ يتفكّك تحت ضغط تحوّلاتٍ متعدّدة: التمدّن السريع، والانفصالُ عن الأرض، واقتصادُ النموّ القائمُ على الاستهلاك، وصناعةُ الإعلان التي جعلت من جسد المرأة واجهةً لترويج السلع، ومن “الموضة” صناعةً تدور رحاها على الإنفاق.
والمشكلةُ ليست في المرأة، بل في منظومةٍ كاملةٍ أعادت تشكيلَ دورها: من منتِجةٍ لقيم الحياة ومعارفها، إلى مستهلكةٍ لقيم السوق وبضائعه. فتحوّل “الإنتاج” عندها من إنتاج الغذاء والرعاية والتربية، إلى إنتاج الصورة والمظاهر. وتحوّلت “القيمة” من نفعٍ للأسرة والمجتمع والبيئة، إلى انطباعٍ عابرٍ عند الآخرين.
التربيةُ ليست نقلَ معلومات، بل هي تغييرٌ جذريّ في الشخصية والمواقف. وهي – كما يؤكد علماءُ التربية – عمليةُ تنشئةٍ اجتماعيةٍ يتشكّل فيها الوعيُ والإرادةُ والسلوك، ولا تقوم على الجانب المعرفي وحده، بل على القدوةِ والممارسة والعلاقة.
وحين تتحوّل الأمُّ من مربّيةٍ ومنتِجةٍ إلى مستهلكةٍ منشغلةٍ بذاتها، لا تخسر هي فقط دورَها، بل يخسر المجتمعُ كلُّه: جيلٌ لا يتعلّم من الطبيعة الصبرَ، ولا من الإنتاج قيمةَ الأشياء، ولا من الرعاية معنى المسؤولية. فينشأ إنسانٌ لا يعرف كيف يُنتج، لكنه يعرف كيف يستهلك؛ ولا كيف يحافظ، لكنه يجيد كيف يُبدّد.
هذه العودةُ ليست دعوةً إلى إعادة المرأة إلى المنزل، ولا إلى إنكار حقّها في العمل والتعليم والاختيار. إنها دعوةٌ إلى استعادة “المنتِج” في داخلها – أيّاً كان موقعُها – وإلى إعادة الاعتبار للرعاية والتربية والبيئة كمهمّاتٍ ذات قيمةٍ اجتماعيةٍ عُليا، لا كأعباءٍ ثانوية.
أولاً: إعادة تعريف “الإنتاج”. لا يقتصر الإنتاجُ على المصنع والوظيفة، بل يشمل إنتاجَ الغذاء، وإدارةَ المنزل كمؤسسةٍ صغيرةٍ مستدامة، والتربيةَ كإنتاجٍ للأجيال، والعنايةَ بالبيئة كإنتاجٍ للحياة. وحين يُعاد تعريفُ هذه الأعمال كإنتاجٍ حقيقيّ، تُستعاد قيمتُها الاجتماعية والمادية.
ثانياً: تعليم بيئي موجَّه للمرأة والشباب. فبرامجُ التثقيف البيئي التي تستهدف النساء والأمهات تُحدثُ أثراً مضاعفاً: فهنّ ينقلن المعرفةَ إلى أسرهنّ، ويغيّرن أنماطَ الاستهلاك اليومية، ويصبحن قائداتِ مجتمعٍ محليٍّ في إدارة المياه والنفايات والطاقة.
ثالثاً: إبراز النماذج بدلاً من الصور النمطية. فكلّما رأت الفتياتُ نساءً يقُدن مشاريعَ زراعيةً مستدامة، أو يُدرن جمعياتٍ بيئيةً، أو يُعلّمنَ التقليلَ من النفايات والبلاستيك، تقلّصت سيطرةُ “صورة المول والموضة” على مخيّلتهنّ.
رابعاً: تحويل الأسرة إلى وحدة إنتاجٍ بيئي. فبدلاً من أن تكون الأسرةُ وحدةَ استهلاكٍ لا تُشبع، يمكن أن تصير وحدةَ إنتاجٍ بيئي: زراعةُ سطح المنزل، وإعادة تدوير بقايا الطعام، وترشيد المياه والكهرباء، وإصلاحُ الأشياء بدلاً من التخلص منها. وهذه الممارسات، حين تُمارَس مع الأطفال، تُصبح تربيةً قبل أن تكون اقتصاداً.
لا يطلبُ أحدٌ من المرأة أن تعود إلى ما كانت عليه قبل قرن. لكنّ المطلوبَ أن تعود إلى ما كانت عليه في جوهرها: حاضنةً للطبيعة، ومنتِجةً للقيم، ومعلّمةً للحياة. فحين تتحوّل المرأةُ إلى واجهةٍ للاستهلاك، يخسرُ المجتمعُ أعمقَ مؤسسةٍ تربويةٍ فيه. وحين تستعيد دورَها في الإنتاج والرعاية، لا تكسب هي فقط، بل تكسب الأرضُ والمجتمعُ والجيلُ القادم.
فالمرأةُ ليست جزءاً من البيئة فحسب – إنها أوّلُ مدرسةٍ بيئيةٍ للإنسان. وحين تُغلق هذه المدرسة، لا تتعلّم الأجيالُ كيف تُنتج، ولا كيف تحافظ، ولا كيف تُحبّ الأرضَ التي تعيش عليها.
العودةُ إلى الطبيعة تبدأ من حيث بدأ الإنسانُ أولَ مرة: من حضنِ أمٍّ تعرف قيمةَ الأرض.


