• Home  
  •  “العراق بلدٌ منتج لا مستهلك”.. ندوة فكرية في جريدة المبادرة تناقش مستقبل الصناعة الوطنية
- تقارير محلية وإقليمية

 “العراق بلدٌ منتج لا مستهلك”.. ندوة فكرية في جريدة المبادرة تناقش مستقبل الصناعة الوطنية

في إطار سلسلة الحوارات الفكرية والإنسانية التي دأبت جريدة “المبادرة” على تنظيمها، عقدت الجريدة ندوة فكرية حوارية مساء يوم 18/9/2026، خُصّصت لمناقشة واقع الصناعة العراقية وآفاق النهوض بها، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الصناعي، إلى جانب جمع غفير من الإعلاميين والناشطات في مجالات الصحافة ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان. أُديرت الجلسة من قبل […]

في إطار سلسلة الحوارات الفكرية والإنسانية التي دأبت جريدة “المبادرة” على تنظيمها، عقدت الجريدة ندوة فكرية حوارية مساء يوم 18/9/2026، خُصّصت لمناقشة واقع الصناعة العراقية وآفاق النهوض بها، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بالشأن الصناعي، إلى جانب جمع غفير من الإعلاميين والناشطات في مجالات الصحافة ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان.

أُديرت الجلسة من قبل الأستاذة أشواق البدري، فيما كان الدكتور عبد العظيم الخفاجي المتحدث الرئيسي فيها، حيث تناول الحاضرون المحور الفكري للندوة الذي انطلق من مقولة مفادها أن “العراق بلدٌ منتج لكافة الحرف المهنية”، مستندين في ذلك إلى حقائق تاريخية موثّقة، من أبرزها أن قطاع الألبسة والغزل والنسيج كان من القطاعات الرائدة في العراق، وأن أول مصنع للثلج تأسس في بغداد عام 1881، وهو ما يؤكد – بحسب المشاركين – أن الصناعة العراقية كانت صناعةً منتجة ومزدهرة في تلك الحقبة وحتى مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

لم تكن الإشارة إلى معمل الثلج الأول في بغداد من قبيل الاستطراد التاريخي، بل جاءت لتؤكد عمق التجربة الصناعية العراقية. فقد أُسّس هذا المعمل، المعروف بـ”البوزخانة”، عام 1881 على شاطئ دجلة في منطقة شريعة الميدان. وفي عام 1926، أقدم نوري فتاح باشا على تأسيس أول معمل وطني حديث للغزل والنسيج في الكاظمية، مستعيناً بخبراء بولنديين، وبدأ إنتاجه الفعلي عام 1929 بطاقة أولية بلغت 65 عاملاً، قبل أن يرتفع عددهم إلى نحو 300 عامل وعاملة.

وشهد قطاع الغزل والنسيج توسعاً ملموساً خلال العقود التالية. ففي عام 1945، أُنشئ مصنع حديث في الكاظمية بلغت طاقته الإنتاجية لاحقاً 17 مليون متر سنوياً من الأقمشة و350 طناً من الغزول. ثم تبعه مصنع الموصل عام 1954 الذي بدأ إنتاجه عام 1957 بطاقة إنتاجية بلغت 33 مليون متر من الأقمشة القطنية. وفي عام 1969، تم إنجاز معمل الكوت الذي احتوى على 60 ألف مغزل و1220 نولاً، ليعادل وحده مجموع مغازل وأنوال معملي بغداد والموصل.

لم تتطور الصناعة العراقية بمعزل عن قواها العاملة. ففي العقود الأولى من القرن العشرين، لم تكن هناك طبقة عمالية بالمعنى العلمي، بل حرفيون وشغيلة وعمال في مشاريع الدولة. وتشير الدراسات إلى أن عدد العمال في القطاع الصناعي الخاص بلغ نحو 30,507 عاملين عام 1954، أي ضعف عدد المستخدمين في صناعة النفط آنذاك. وقد بلغ متوسط الأجر السنوي للعامل في الصناعات التحويلية عام 1960 نحو 222 ديناراً، ليرتفع تدريجياً إلى 275 ديناراً بحلول عام 1967.

شكّل عام 2003 نقطة تحول كارثية بالنسبة للقطاع الصناعي. فقد أدى إغراق السوق العراقي بالبضائع المستوردة من دول الجوار وباقي دول العالم إلى تدمير الصناعات المحلية، وساهم عدم الاستقرار الأمني والسياسي وتدمير البنية التحتية في تعطيل ثم إغلاق العديد من المصانع.

وتكشف الإحصاءات حجم الخسارة في القوى العاملة. ففي منطقة الوزيرية الصناعية في بغداد وحدها، انخفض عدد العاملين في الشركة العامة لصناعة البطاريات من 650 عاملاً قبل 2003 إلى 23 عاملاً فقط بعده، وفي الشركة العامة للصناعات الكهربائية من 1200 عامل إلى 1200 (مع تسريح جماعي). وعلى مستوى المحافظات، تؤكد تقارير حديثة أن محافظة ديالى وحدها فقدت نحو 90% من معاملها بعد عام 2003، مما أدى إلى فقدان ما بين 15 و20 ألف عامل وظائفهم.

وفقاً لأحدث إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء، بلغ عدد المصانع الكبيرة في العراق عام 2025 نحو 965 مصنعاً، بقيمة إنتاج إجمالي بلغت 14.65 تريليون دينار. ويعمل في هذه المصانع نحو 154,977 عاملاً، يتوزعون بواقع 104,865 عاملاً في القطاع العام و49,853 عاملاً في القطاع الخاص.

وفي المقابل، فإن المقارنة مع العقود السابقة تكشف عمق التراجع. ففي عام 1977، بلغ عدد المنشآت الصناعية 1,548 منشأة يعمل فيها 151,100 عامل، وهو رقم يقترب من إجمالي العاملين في المصانع الكبيرة اليوم، رغم أن عدد سكان العراق آنذاك كان أقل بكثير. أما على صعيد المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فقد بلغ عدد العاملين في المشاريع الصناعية الصغيرة نحو 100,200 عامل عام 2025، مقارنة بـ 40,738 عاملاً عام 2008.

واتسمت الندوة بروح ديمقراطية عالية أتاحت للمشاركين حرية الطرح والنقاش، حيث أجمع الحضور على أن معالجة السلبيات التي يعاني منها القطاع الصناعي تتطلب قراراً عراقياً خالصاً بعيداً عن التدخلات الإقليمية في الشؤون الاقتصادية للبلاد.

وأكد المشاركون أن الاستقلال الاقتصادي للعراق مرهون بوعي المجتمع بمختلف شرائحه، وفي مقدمتهم الصناعيون والأكاديميون والأدباء والمثقفون وسائر فئات المجتمع المعنية، مشددين على ضرورة أن يتحول العراق إلى “بلد منتج لا مستهلك لكل شيء”.

وقد أشاد جميع الحضور بالدور الذي تضطلع به جريدة “المبادرة” في تأسيس حوارات فكرية وإنسانية شملت مختلف المجالات، ومنها البطالة، ودور المرأة في المجتمع، ودور الإنسان في الصحافة، فضلاً عن المجالات الفكرية والأدبية، وهو ما يجعلها منصة حوارية متميزة تجمع المعنيين بمختلف القضايا الوطنية.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026