
أثير الدباس
لطالما ارتبط مفهوم العنصرية بممارسات تقوم على التمييز بين البشر على أساس الدين أو العرق أو اللون أو اللغة أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي، بما يؤدي إلى انتهاك الحقوق وإقصاء فئات معينة وتهميشها. وهي ظاهرة قديمة رافقت المجتمعات البشرية وأسهمت في إشعال كثير من الصراعات والحروب.
لكن العراق بعد عام 2003 شهد بروز شكل آخر من أشكال التمييز يمكن تسميته بـ «التمييز الوظيفي»، وهو تمييز لا يقوم على الدين أو العرق أو اللون، وإنما على المكان الذي يعمل فيه الموظف داخل مؤسسات الدولة.
فقد أفرزت السياسات الحكومية المتعاقبة، تفاوتاً كبيراً في أوضاع موظفي الدولة، ليس بسبب اختلاف طبيعة المسؤوليات أو حجم الجهد المبذول فحسب، وإنما نتيجة اختلاف الوزارة أو المؤسسة التي ينتمي إليها الموظف. وأصبح الموظفون عملياً أمام نظام غير متوازن في الحوافز والمخصصات والساعات الإضافية والعلاوات والترقيات والترفيعات والقدم الوظيفي وكتب الشكر وغيرها من الامتيازات.
وبمرور الوقت تشكلت طبقتان داخل الجهاز الحكومي، طبقة تتمتع بامتيازات مالية ووظيفية واسعة بحكم عملها، في وزارات ومؤسسات تحظى بمخصصات أكبر، وأخرى تجد نفسها في مؤسسات ووزارات محدودة الموارد يعمل موظفوها في ظروف أقل حظاً من حيث الحوافز والمزايا، رغم أنهم جميعاً موظفون في الدولة ذاتها ويؤدون واجباتهم ضمن المنظومة الحكومية نفسها.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التفاوت في الامتيازات، بل أصبح الانتقال إلى بعض الوزارات والمؤسسات ذات المزايا الأفضل، مطلباً يسعى إليه كثير من الموظفين، حتى باتت بعض فرص النقل الوظيفي ترتبط في حالات عديدة بامتلاك الموظف أو عائلته شبكة من العلاقات والنفوذ أو القدرة على الوصول إلى أصحاب القرار، فضلاً عن منح بعض الفئات أولوية في مثل هذه الإجراءات تحت عناوين واعتبارات مختلفة.
وفي المقابل اتجهت الحكومات المتعاقبة إلى منح مؤسسات الدولة الأمنية من الجيش والشرطة وغيرها امتيازات وزيادات وعلاوات واحتساب أقدمية ومزايا أخرى، في محاولة لتعزيز دور هذه المؤسسات وكسب دعمها، الأمر الذي أضاف مستوى آخر من التفاوت داخل منظومة الخدمة العامة.
إن المشكلة هنا لا تكمن في تحسين أوضاع أي فئة من موظفي الدولة. فرفع مستوى دخل الموظف وتحسين ظروف عمله أمر مطلوب ومشروع، وإنما تكمن في غياب معيار موحد وعادل يضمن أن تكون الحقوق والامتيازات مرتبطة بطبيعة العمل والمسؤولية والكفاءة والإنتاج، لا باسم الوزارة أو الجهة التي يعمل فيها الموظف.
وقد أنتج هذا الواقع نتائج سلبية واضحة. ففي بعض مؤسسات الدولة تراكمت أعداد الموظفين بصورة تفوق الحاجة الفعلية، الأمر الذي ساهم في نشوء ما يشبه البطالة المقنعة، بينما تعاني مؤسسات ووزارات أخرى من ظروف وظيفية أقل جذباً ما أدى إلى حالة من الإحباط والتذمر وعدم الرضا بين أعداد كبيرة من العاملين.
وهنا يبرز سؤال جوهري، هل يختلف راتب وزير الصناعة وامتيازاته عن راتب وزير النفط وامتيازاته؟ وهل يختلف راتب وزير النقل وامتيازاته عن راتب وزير الكهرباء؟ وهل يختلف راتب وزير الإعمار والإسكان وامتيازاته عن راتب وزير التعليم العالي والبحث العلمي؟
هذه أمثلة فقط، والإجابة بالتأكيد هي أن رواتب الوزراء وامتيازاتهم تخضع لإطار الدولة وقواعدها العامة ولا تتحدد وفق حجم الإيرادات التي تحققها الوزارة التي يديرها الوزير.
فإذا كانت الدولة واحدة والحكومة واحدة ومجلس الوزراء واحداً، فلماذا لا تكون العدالة الوظيفية واحدة أيضاً؟
لماذا يكون الموظف الذي يؤدي واجباته في وزارة ذات موارد محدودة أقل حظاً من زميله الذي يؤدي عملاً مماثلاً في وزارة أخرى تتمتع بمخصصات وامتيازات أكبر؟
إن تحقيق العدالة لا يعني بالضرورة أن يحصل جميع الموظفين على المزايا نفسها بصورة مطلقة. فطبيعة بعض الأعمال قد تفرض بدلات أو مخصصات خاصة، لكن المطلوب هو أن تكون هذه الفروقات مبنية على أسس موضوعية واضحة، كخطورة العمل وساعات الدوام وطبيعة المسؤولية والتخصص والكفاءة والإنتاجية، وليس على اسم الوزارة أو قوة النفوذ الذي يقف خلف الموظف.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر بصورة جدية في منظومة الرواتب والمخصصات والحوافز في الدولة العراقية والعمل على تشريع قانون موحد وعادل للرواتب والحوافز والمخصصات، يضع إطاراً عاماً يشمل جميع موظفي الدولة، ويضمن تكافؤ الفرص ويحد من الفوارق غير المبررة بين مؤسسة وأخرى.
فالعدالة الوظيفية ليست امتيازاً يطالب به الموظف لنفسه، وإنما هي جزء من بناء دولة المؤسسات.
والموظف الذي يشعر بأن جهده مقدر وأن حقوقه لا تتوقف على الوزارة التي يعمل فيها أو على الشخص الذي يستطيع الوصول، إليه سيكون أكثر استعداداً للعطاء والإبداع والإنتاج وتحمل المسؤولية.
أما استمرار نظام الامتيازات المتفاوتة، فإنه لا يصنع جهازاً حكومياً أكثر كفاءة، بل يعمق الفوارق داخل مؤسسات الدولة ويضعف روح الانتماء إليها، ويجعل الوظيفة العامة مجالاً للتنافس على الامتياز، بدلاً من أن تكون ميداناً لخدمة المواطن والدولة.
إن توحيد معايير العدالة الوظيفية، ليس ترفاً تشريعياً، بل خطوة أساسية نحو إصلاح الإدارة العامة، وبناء دولة يشعر فيها الموظف بأن حقوقه مصونة بقدر واجباته، وأن معيار التقدير هو العمل والكفاءة والإنتاج لا اسم الوزارة ولا قوة الواسطة.


