• Home  
  • الثورة الذهنية ومكافحة الفساد في العراق: من الردع الأمني إلى البناء الثقافي
- فكر ودراسات

الثورة الذهنية ومكافحة الفساد في العراق: من الردع الأمني إلى البناء الثقافي

أحمد عز الدين هل يمكن لـ”صولة الفجر” أن تنجح حيث فشلت عشرات الحملات السابقة؟ في 28 حزيران/يونيو 2026، أطلقت الحكومة العراقية عملية “صولة الفجر”، التي أوقعت 47 متهماً بينهم 12 نائباً ومسؤولين حكوميين بارزين، وصادرت نحو 100 مليون دولار وعشرات العقارات. لكن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الدراسة: هل الاعتماد على القوة الأمنية وحدها كافٍ […]

أحمد عز الدين

هل يمكن لـ”صولة الفجر” أن تنجح حيث فشلت عشرات الحملات السابقة؟

في 28 حزيران/يونيو 2026، أطلقت الحكومة العراقية عملية “صولة الفجر”، التي أوقعت 47 متهماً بينهم 12 نائباً ومسؤولين حكوميين بارزين، وصادرت نحو 100 مليون دولار وعشرات العقارات. لكن السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه الدراسة: هل الاعتماد على القوة الأمنية وحدها كافٍ لاجتثاث فساد تحول من “ظاهرة” إلى “ثقافة”؟

يشهد العراق اليوم حملة غير مسبوقة لمكافحة الفساد بقيادة رئيس الوزراء علي الزيدي، تمثلت في اعتقالات واسعة واسترداد جزء من الأموال المنهوبة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل هذه الإجراءات الردعية وحدها كافية لردع الفساد في المستقبل؟ أم أن المعركة الحقيقية تحتاج إلى “ثورة ذهنية” تعيد تشكيل وعي المجتمع قبل مؤسساته؟

الفساد كثقافة اجتماعية – من الظاهرة إلى الثقافة

يشير الباحثون إلى أن تحول الفساد في العراق من ظاهرة إلى ثقافة يعود إلى عوامل اجتماعية ونفسية عميقة. فالمسألة لم تعد مقتصرة على “فاسدين” يمكن القبض عليهم، بل أصبحت منظومة قيمية متكاملة تغذيها:

– المحسوبية والعشائرية التي أصبحت معياراً للتفضيل في التوظيف والترقية على حساب الكفاءة

– تنامي روح البداوة والتعصب العشائري بعد 2003، وما صاحبه من انحسار لروح المدنية والمواطنة

– تقبّل اجتماعي للفاسدين وتحويلهم إلى “أبطال” في بعض الأوساط

– ثقافة “الي مايبوك مو رجال” التي تحوِّل السرقة والنهب إلى مظهر من مظاهر القوة والرجولة

الفساد وشبكاته العنكبوتية

لا يقف الفساد في العراق عند حدود شخصيات بعينها، بل يمتد ليشمل مافيات سياسية وشبكات علاقات معقدة، تعمل وفق علاقات شخصية مع شخصيات حكومية أو حزبية متنفذة. وقد وصفته ممثلة بعثة الأمم المتحدة جينين هينيس- بلاسخارت بأنه “سبب جذري رئيسي في الاختلال الوظيفي في العراق”.

الآثار الاجتماعية المدمرة

للفساد آثار اجتماعية بالغة الخطورة، منها:

– ضعف الثقة بالمؤسسات الحكومية

– اتساع الفجوة الطبقية وتراجع مستوى الخدمات الأساسية

– تفكك النسيج الاجتماعي وتزايد الإحساس بالظلم والإقصاء

– انتشار الفقر والبطالة نتيجة سوء إدارة الموارد

لماذا لا تكفي “صولة الفجر” وحدها؟

إن الحملات الأمنية، مهما بلغت قوتها، تواجه تحديات جوهرية:

1. الفساد ثقافة لا مجرد أفعال: عندما يصبح الفساد “أمراً طبيعياً لا يدعو للغرابة والدهشة”، فإن القبض على مجموعة من الفاسدين لا يغير القيم المجتمعية التي تنتج فاسدين جدداً.

2. غياب التغيير المؤسسي: الاعتماد على القوة الشرطية والجيش في محاربة الفساد يحمل في طياته خطر تغوّل هاتين المؤسستين على المجتمع في المستقبل.

3. استمرار البيئة الحاضنة: ما لم تتغير المنظومة التعليمية والثقافية والقيمية، ستبقى البيئة الاجتماعية حاضنة للفساد، تعيد إنتاجه بشكل دوري.

تشير التقارير إلى أن العقوبات في قضايا الفساد في العراق كانت “نادراً ما تستهدف قمة الهرم وكبار الفاسدين، إنما تطال عادة المستويات المتوسطة”. وهذا يكشف عن إشكالية هيكلية تتجاوز نوايا الحكومة الحالية، وتتصل بطبيعة العلاقة بين السياسة والفساد.

الثورة الذهنية – المدخل الحقيقي لمكافحة الفساد

مفهوم الثورة الذهنية

“الثورة الذهنية” تعني إعادة تشكيل الوعي الجمعي للمجتمع العراقي حول قيم النزاهة والشفافية والمواطنة. وهي عملية تبدأ من تغيير التصورات الذهنية حول الفساد، مروراً بـ ترسيخ قيم المساءلة، وصولاً إلى بناء ثقافة رافضة للفساد في جميع مفاصل الحياة.

لماذا الثورة الذهنية هي الأساس؟

التعليم هو بوابة تربية الإنسان وتعليمه على الأخلاق وحب الوطن. فلا يمكن لمكافحة الفساد أن تنجح دون:

دور مؤسسات الدولة في منظومة متكاملة

لا يمكن لأي مؤسسة بمفردها أن تحارب الفساد. المطلوب تضافر كافة مؤسسات الدولة:

– المؤسسات التعليمية: إعداد جيل واعٍ بقيم النزاهة

– المؤسسات القضائية: الفصل في قضايا الفساد بنزاهة وسرعة

– المؤسسات الخدمية: تقديم خدمات شفافة تحد من فرص الفساد

– الجيش والشرطة: حماية الدولة دون التدخل في شؤونها السياسية

– هيئات الرقابة: تفعيل دور هيئة النزاهة ومؤسسات الرقابة المالية

دور المرأة – المدرسة الأولى في محاربة الفساد

أن المرأة والأم هي المدرسة الأولى في المجتمع. وهذا يضع المرأة في قلب معركة الثورة الذهنية، فهي:

– المربية الأولى: تغرس في أطفالها قيم الصدق والأمانة والنزاهة

– نموذج القدوة: سلوكها اليومي يعكس موقفها من الفساد والمفسدين

– عنصر تغيير في الأسرة: تستطيع أن تكون رقيباً أخلاقياً على أفراد أسرتها

تشير الدراسات الميدانية إلى أن النساء مغيبات دائماً عن الهيئات والمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد، رغم أن مشاركتهن حاسمة.

لكن دور المرأة يواجه عقبات، أبرزها:

– عدم الثقة بالجهات المتلقية للبلاغات والخوف من الانتقام

– التهميش المجتمعي والمؤسسي لدور المرأة في مكافحة الفساد

– غياب التمثيل النسائي في هيئات الرقابة ومكافحة الفساد

ولتفعيل دور المرأة ينبغي القيام ببعض الإجراءات الهامة وأهمها:

1. إطلاق حملة توعوية وطنية بعنوان “نساء العراق ضد الفساد” تتضمن برامج إعلامية ومدرسية

2. إدراج المرأة في الهيئات الرقابية بنسبة لا تقل عن 30%

3. توفير قنوات آمنة للإبلاغ عن الفساد تحمي المبلّغات من الانتقام

4. تمكين المرأة اقتصادياً لتقليل هشاشتها أمام ابتزاز الفاسدين

إن حملة “صولة الفجر” التي يقودها رئيس الوزراء علي الزيدي تمثل خطوة مهمة وجريئة في مسار مكافحة الفساد، لكنها غير كافية وحدها لردع الفساد مستقبلاً. فالمعركة الحقيقية هي معركة ثقافية وذهنية، تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى جميع مؤسسات الدولة، وتضع المرأة في قلبها كصانعة للقيم ومربية للأجيال.

وكما قال رئيس الوزراء الزيدي، فإن الحملة الحالية تمثل “المرحلة الأولى”. لكن المراحل التالية لن تنجح ما لم تكن ثورة في العقول والقلوب، لا مجرد حملات أمنية. فالدولة التي تُبنى على الفساد تهتز، لكن الدولة التي تُبنى على النزاهة تصمد وتزدهر. والطريق يبدأ من كل أم وأب ومعلم، قبل أن يبدأ من قصر الحكومة أو وزارة الداخلية.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026