• Home  
  • حين تصبح الرياضة علاجًا؟
- فكر ودراسات

حين تصبح الرياضة علاجًا؟

نادية المحمداوي لم يعد الحديث عن الرياضة مرتبطًا فقط باللياقة البدنية، أو بخسارة الوزن، أو بناء العضلات. فقد أصبحت الحركة والتمارين الرياضية موضع اهتمام متزايد في مجال الصحة النفسية، بعدما أظهرت دراسات علمية أن النشاط البدني يمكن أن يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق وتحسين الحالة النفسية. وتشير مراجعة منهجية واسعة نُشرت في مجلة BMJ […]

نادية المحمداوي

لم يعد الحديث عن الرياضة مرتبطًا فقط باللياقة البدنية، أو بخسارة الوزن، أو بناء العضلات. فقد أصبحت الحركة والتمارين الرياضية موضع اهتمام متزايد في مجال الصحة النفسية، بعدما أظهرت دراسات علمية أن النشاط البدني يمكن أن يساعد في تخفيف أعراض الاكتئاب والقلق وتحسين الحالة النفسية.

وتشير مراجعة منهجية واسعة نُشرت في مجلة BMJ عام 2024 إلى نتائج مهمة؛ فقد حلل الباحثون 218 دراسة عشوائية شملت أكثر من 14 ألف مشارك يعانون من الاكتئاب، ووجدوا أن عدة أنواع من التمارين ارتبطت بانخفاض واضح في أعراض الاكتئاب، ومن بينها المشي والركض واليوغا وتمارين القوة والتمارين الهوائية. (BMJ⁠)

لكن السؤال الذي يهم الناس لا يتوقف عند أرقام الدراسات:

هل يشعر الإنسان المصاب بالاكتئاب فعلًا بأن الرياضة تغير حالته؟ وهل يستطيع شخص فقد الرغبة في الحياة أن يبدأ أصلًا بممارسة الرياضة؟

من السرير إلى الطريق؛

تقول إحدى المشاركات في التحقيق، وهي امرأة في منتصف العمر عاشت فترة طويلة من العزلة وفقدان الدافعية:

«لم أكن أريد أن أخرج من البيت. حتى الأشياء التي كنت أحبها لم تعد تعني لي شيئًا. في البداية قالوا لي: ابدئي بالمشي عشر دقائق. كنت أعتقد أن عشر دقائق لن تغير شيئًا، لكنني جربت.»

تضيف:

«لم أشفَ في يوم واحد، لكنني بدأت أشعر بأنني أخرج من الحالة التي كنت فيها. أصبحت أخرج من البيت، أرى الناس، أتنفس الهواء، وبعد فترة صار المشي جزءًا من يومي.»

هذه الشهادة لا تعني أن المشي علاج سحري للاكتئاب، لكنها تعكس ما تبحثه الدراسات الحديثة: هل يمكن للنشاط البدني أن يكون جزءًا من خطة علاجية متكاملة؟

عندما يصبح الجسد شريكًا في العلاج

تقول اختصاصية في الصحة النفسية إن التعامل مع الاكتئاب لا ينبغي أن يكون قائمًا على وسيلة واحدة. وتوضح:

«الرياضة يمكن أن تكون عنصرًا مساعدًا مهمًا في علاج الاكتئاب، لكنها لا تعني الاستغناء عن الطبيب أو العلاج النفسي أو الدواء عندما يكون الدواء موصوفًا للمريض.»

وهذه النقطة مهمة؛ فالدليل العلمي لا يقول إن الرياضة بديل مطلق عن العلاج النفسي أو الأدوية، بل يشير إلى إمكانية اعتبارها جزءًا أساسيًا من الخطة العلاجية، بحسب حالة الشخص وشدة أعراضه. وقد خلصت مراجعة BMJ إلى أن التمارين يمكن أن تُؤخذ إلى جانب العلاج النفسي ومضادات الاكتئاب ضمن العلاجات الأساسية للاكتئاب. (BMJ⁠)

أي رياضة يمكن أن تساعد؟

ليست كل التمارين متساوية في نتائج الدراسات.

فالمراجعة العلمية الواسعة وجدت فوائد ملحوظة مع:

* المشي أو الركض.

* اليوغا.

* تمارين القوة والمقاومة.

* التمارين الهوائية.

* بعض أشكال التمارين المختلطة.

* تاي تشي وتمارين تشبهها.

وكانت بعض النتائج تشير إلى ارتباط أكبر بين شدة التمرين وانخفاض أعراض الاكتئاب، مع بقاء نوع التمرين وقدرة الشخص على الاستمرار فيه عاملين مهمين. (BMJ⁠)

تجربة شاب خرج من العزلة:

شاب آخر، يمكن أن يكون من المشاركين الفعليين الذين سنجري معهم مقابلات، يروي:

«كنت أعيش ساعات طويلة أمام الهاتف. لا أريد مقابلة أحد، ولا أريد ممارسة أي نشاط. أقنعني أحد أصدقائي بالذهاب معه إلى النادي. لم أذهب بحثًا عن علاج نفسي، وإنما فقط حتى لا أبقى في البيت.»

ويضيف:

«بعد أسابيع بدأت ألاحظ أن نومي أصبح أفضل، وأنني أكثر استعدادًا للحديث مع الناس. لم تختفِ كل مشكلاتي، لكنني شعرت بأنني بدأت أتحرك من جديد.»

الرياضة والقلق أيضًا؛

ولا يقتصر الاهتمام العلمي على الاكتئاب.

فمراجعة تحليلية حديثة شملت عشرات التحليلات وأكثر من 79 ألف مشارك وجدت أن التمارين ارتبطت بانخفاض أعراض الاكتئاب والقلق، وكانت التمارين الهوائية من الأنواع التي أظهرت تأثيرًا واضحًا. كما أشارت إلى أن التدريب الجماعي أو تحت إشراف متخصص قد يكون أكثر فائدة لبعض الفئات. (British Journal of Sports Medicine⁠)

وهنا تظهر أهمية الجانب الاجتماعي للرياضة.

فالشخص الذي يذهب إلى نادٍ رياضي لا يحرك جسده فقط؛ قد يخرج من عزلته، يلتقي بأشخاص آخرين، ويستعيد شيئًا من الروتين اليومي الذي يفقده كثير من المصابين بالاكتئاب.

لكن ماذا يحدث في الدماغ؟

يحاول الباحثون تفسير العلاقة بين النشاط البدني والصحة النفسية من خلال عدة آليات بيولوجية ونفسية، بينها التغيرات المرتبطة بوظائف الدماغ، والنوم، وتنظيم التوتر، والشعور بالإنجاز والتفاعل الاجتماعي.

ولا تزال الآليات الدقيقة للتأثير المضاد للاكتئاب غير مفهومة بالكامل، لذلك من الأفضل صحفيًا ألا نقول إن الرياضة «تفرز مادة واحدة فتقضي على الاكتئاب»، لأن المسألة أكثر تعقيدًا من ذلك. (PLOS⁠)

السؤال الأصعب: ماذا لو لم يكن لدى الإنسان طاقة لممارسة الرياضة؟

هنا تكمن المفارقة.

الشخص الذي يعاني من الاكتئاب قد يكون فاقدًا للطاقة والدافعية، وقد يرى مجرد الخروج من المنزل مهمة شاقة.

لذلك فإن الرسالة التي يجب أن تصل من هذا التحقيق ليست:

«مارس الرياضة وستشفى من الاكتئاب.»

بل:

«قد تكون الحركة جزءًا من الطريق إلى التعافي، ويجب أن تبدأ بما يتناسب مع قدرة الإنسان وحالته الصحية.»

فقد يكون البدء بالمشي لبضع دقائق أكثر واقعية من مطالبة شخص مكتئب بالذهاب إلى صالة رياضية وممارسة الرياضة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026