
لمى النقاش
في هذا البلد لا تحتاج إلى أن تبحث طويلاً عن المشكلة؛ يكفي أن تستيقظ صباحاً وتبدأ يومك.
تفتح الصنبور فتنتظر الماء ولا يأتي، تضغط زر الكهرباء فتتذكر أن عليك معرفة جدول القطع قبل أن تعرف جدول يومك، تخرج إلى الشارع فتبدأ رحلة المراوغة بين حفرة وأخرى، وبين طريق أُصلح قبل أشهر ثم عاد أسوأ مما كان، تصل إلى نهاية الشهر فتكتشف أن راتبك الذي لم يعد يكفي أصلاً، وجدوا له استقطاعاً جديداً، فيما الأسعار لا تعرف الاستقطاع ولا التوقف ولا حتى الرحمة.
وربما لا توجد كلمة تختصر حال كثير من خدماتنا مثل كلمة عراقية بسيطة نقولها في حياتنا اليومية: «تلزيك».
نلزّك الشيء حين لا نصلحه حقاً؛ حين نعرف أن العطل ما زال موجوداً، لكننا نفعل ما يكفي فقط لكي يستمر قليلاً، نضع حلًا مؤقتاً ثم نعتاد المؤقت حتى يصبح دائماً، وحين ينهار نعود لنلزّكه من جديد.
وهكذا شيئاً فشيئاً لم يعد «التلزيك» حلاً اضطرارياً، بل صار يشبه طريقة إدارة كاملة.
في الصيف ترتفع درجات الحرارة ويعود الحديث عن أزمة الكهرباء، كأن الصيف جاء هذا العام للمرة الأولى تصريحات، خطط، وعود، ثم حلول إسعافية تكفي لعبور الموسم، قبل أن نطوي الملف إلى الصيف المقبل، وفي الشتاء، تكفي ساعات من المطر أحياناً لتعيد الأسئلة نفسها عن شبكات التصريف والبنى التحتية والطرق.
أما الماء، أبسط حقوق الإنسان وأكثرها بداهة، فقد أصبح الحصول عليه في بعض الأماكن مشروعاً منزلياً قائماً بذاته: خزان، مضخة، فلاتر، ومياه تُشترى للشر.
بدل أن يكون السؤال: لماذا لا تصل الخدمة بالكفاءة المطلوبة؟ أصبح السؤال اليومي: كيف نتدبر أمرنا إذا لم تصل؟
والطرق ربما تكون الصورة الأكثر حرفية لفلسفة «التلزيك».
حفرة تُردم، ورقعة إسفلت توضع فوق أخرى، وشارع يُفتح ثم يُحفر من جديد، ومشروع ينتهي لتبدأ بعده أعمال جهة أخرى في المكان نفسه، ندفع من سياراتنا ووقتنا وأعصابنا ثمن غياب التخطيط، ثم نرى الرقعة الجديدة وننتظر كم ستصمد قبل أن تعود الحفرة القديمة.
لكن «التلزيك» لا يتوقف عند الإسفلت.
حين تعاني الموازنة أو تظهر أزمة مالية، تصبح رواتب الموظفين ومخصصاتهم جزءاً حاضراً في البحث عن المخارج، المواطن نفسه الذي يواجه ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية يجد دخله محاصراً بين حاجاته التي تكبر وراتب لا يكبر معها، وأحياناً استقطاعات تزيد العبء عليه.
وفي الصحة تظهر المفارقة بصورة أشد قسوة حين لا يثق الإنسان بأن المؤسسة الصحية العامة قادرة على منحه ما يحتاج إليه، يبحث عن البديل: عيادة خاصة، مختبر خاص، أشعة خاصة، دواء يشتريه من جيبه. وهكذا لا يعود تردي الخدمة العامة مشكلة مؤسساتية فقط، بل يتحول إلى فاتورة شخصية يدفعها المريض فوق ثمن مرضه.
حتى البيئة دخلت دائرة التلزيك تلوث، نفايات، مساحات خضراء تتراجع، هواء يزداد تلوثاً، ومشكلات بيئية نناقش نتائجها أكثر مما نعالج أسبابها، نتحرك عندما تصبح المشكلة ظاهرة بما يكفي لتصبح رأي عام، ثم يختفي الاهتمام حين يهدأ الضجيج، لا حين نحل المشكلة والقائمة تطول.
مع كل أزمة هناك تصريح، ومع كل نقص هناك خطة، ومع كل موسم هناك مشروع قادم، تُعلن الموازنات، وتُرصد الأموال، وتُفتتح المشاريع أمام الكاميرات، ثم يعود المواطن إلى بيته ليكتشف أن الماء ما زال ضعيفاً، والكهرباء غائبة، والشارع محفّر، والمستشفى متعب كمرضاه، والهواء ملوث، والأسعار أعلى.
المواطن في النهاية لا يعيش أزمة واحدة، بل مجموعة أزمات تتقاطع في يومه العادي: كهرباء غير مستقرة، ماء يحتاج إلى بدائل، طريق يستنزف سيارته، زحام يستنزف وقته، علاج يستنزف راتبه، وأسعار تسبقه كلما حاول اللحاق بها.
ومع ذلك ربما تكون الوعود هي الشيء الوحيد الذي لا يحتاج إلى تلزيك. فهي جاهزة لتعطي الأمل للمواطن، وبعدها لكل إخفاق موعد جديد للحل. تتغير السنوات، وتتغير الأسماء، وتتغير العبارات، لكن المواطن يبقى واقفًا أمام المشكلة نفسها، يسمع أنها في طريقها إلى الحل.
المشكلة هنا أكبر من حفرة في شارع أو ساعات انقطاع كهرباء، المشكلة أن الحل المؤقت حين يستمر سنوات يفقد صفة «المؤقت». وحين تتكرر المعالجة نفسها وتنتج النتيجة نفسها، لا يعود من المنطقي أن نسمي ما يحدث أزمة طارئة فالطارئ يحدث مرة.
أما ما نعرف موعد عودته، ونعرف أسبابه، وننتظر حدوثه كل عام ثم نفاجأ به في كل مرة، فليس طارئاً؛ إنه خلل لم يُحل.
ولعل أخطر ما صنعته سنوات «التلزيك» أنها غيّرت سلوك المواطن نفسه، فالمشكلة لم تعد في خدمة سيئة هنا أو مشروع متعثر هناك، حين تتراجع الكهرباء والمياه والطرق والصحة والاقتصاد والبيئة والقدرة الشرائية معاً، فنحن لا نتحدث عن سلسلة أعطال منفصلة؛ بل عن خلل في مفهوم الدولة والخدمة العامة وإدارة الموارد.
فما معنى أن يعيش المواطن في بلد غني بالموارد، ثم يقضي جزءاً كبيراً من دخله ليشتري بدائل للخدمات الأساسية؟
وهنا تظهر المفارقة الأقسى: كلما تراجعت الخدمة العامة، انتقلت كلفتها إلى المواطن.
وهكذا يدفع الناس ثمن الخلل مرتين: مرة لأنهم يعيشونه، ومرة لأن عليهم شراء البديل عنه.
نحن لا نطالب بمدينة فاضلة، ولا بخدمات تسبق أكثر دول العالم تطوراً، الحديث هنا عن أبجديات الحياة الطبيعية: ماء صالح، كهرباء مستقرة، طريق آمن، مستشفى يؤدي وظيفته، بيئة لا تقتلنا ببطء، واقتصاد لا يجعل الراتب يفقد قيمته قبل منتصف الشهر.
هذه ليست رفاهية، وليست مِنّة من مسؤول، وليست إنجازاً استثنائياً يستحق لافتة وشريطاً يتم قصه أمام الكاميرات؛ هذه وظيفة الدولة.
لذلك ربما تكون عبارة «بلد كل خدماته تلزيك» ساخرة حين نقولها في جلسة عابرة، لكنها حين تُفكَّك قليلاً تصبح مؤلمة للغاية؛ لأن المواطن لم يعد يسأل متى تتحسن الخدمات فحسب، بل أصبح يبني حياته كلها على افتراض أنها لن تتحسن: يشتري مولدة أو يشترك بها، يركب خزاناً ومضخة، يدخر للعيادة الخاصة، يحسب حساب الحفر قبل شراء السيارة، ويعيد ترتيب قائمة مشترياته كلما ارتفعت الأسعار.
وفي بلدٍ أصبحت فيه الوعود أكثر انتظاماً من الكهرباء، والأسعار أسرع صعوداً من الرواتب، والحفر أكثر بقاءً من مشاريع الإعمار، يبقى المواطن هو الطرف الوحيد الذي يُطلب منه دائمًا أن يتحمل.
يتحمّل الانقطاع، ويتحمّل الغلاء، ويتحمّل الاستقطاع، ويتحمّل الزحام والتلوث ورداءة الخدمات، ثم ينتظر وعداً جديداً يخبره أن القادم أفضل.
السؤال الأهم هو: إلى متى يبقى المواطن هو الخدمة الوحيدة التي تعمل بلا انقطاع؟
فالبلدان لا تُبنى بالحلول الإسعافية، ولا يمكن إدارة حياة ملايين البشر بعقلية «خلّي نمشيها هسه»، لأنها تمشي فعلاً تمشي سنة، وسنتين، وعشراً، لكن الفاتورة تكبر والمشكلات تتراكم، والرقعة تصبح أكبر من الثوب نفسه.
وعندها لن يكون السؤال: متى نتوقف عن التلزيك؟
بل: هل بقي أصلاً شيء ما لزگناه؟


