
رُلا موسى
في عصر تحولت فيه البيوت إلى مساحات صامتة، يسكنها الشاشات الباردة وغرق كل فرد من العائلة في عالمه الافتراضي الخاص، جاء شاي العصرية ليبقى الحصن الأخير الذي يقاوم هذا الشتات.
إن إبريق الشاي على النار ليس مجرد مشروب يجهز في ساعات الظهيرة المتأخرة، بل هو عُرف لازالت تمارسه أكثر البيوت العراقية حتى اليوم. تجمع صينية الشاي، صغار البيت وكباره، حول جلسة واحدة، تعيد الدفء إلى الأركان التي أطفأتها الهواتف الذكية، وتمنح الجميع، فرصة للنظر في وجوه بعضهم البعض، وتبادل أحاديث بسيطة تتناول تفاصيل اليوم. فتتنفس العائلة لحظة من الهدوء والاسترجاع لعادات الأمس الجميلة. حيث يلتف الجميع بلا مواعيد سابقة ليعود إلى المنزل نبضه الحقيقي وحيويته الضائعة وسط صخب الحياة الحديثة. إنها تلك الساعة السحرية التي تذكرنا بأن لمة الأهل ما زالت ممكنة.
فبين صب الاستكانة الأولى وأخيرها، تلتئم تلك المسافات التي صنعتها التكنولوجيا، لتظل العصرية شاهدة على أن حب العائلة لا يحتاج إلا لإبريق شاي وقلوب تتسع لبعضها.


