• Home  
  • لا تجعل ظروفك تكتب نهايتك
- امرأة ومجتمع

لا تجعل ظروفك تكتب نهايتك

حوراء الكناني لم يختر أحدٌ الصفحة التي بدأ منها حكايته. هناك من فتح عينيه على بيتٍ ضيّق، وآخر على فقدٍ مبكر، وثالثٌ وجد نفسه منذ طفولته يقف في طابورٍ طويل أمام أبوابٍ لا تُفتح. هناك من حمل حلمه في جيبٍ مثقوب، وكلما حاول أن يحميه، سرقت منه الحياة جزءًا آخر. ومع ذلك… استمروا. لأن الإنسان […]

حوراء الكناني

لم يختر أحدٌ الصفحة التي بدأ منها حكايته. هناك من فتح عينيه على بيتٍ ضيّق، وآخر على فقدٍ مبكر، وثالثٌ وجد نفسه منذ طفولته يقف في طابورٍ طويل أمام أبوابٍ لا تُفتح. هناك من حمل حلمه في جيبٍ مثقوب، وكلما حاول أن يحميه، سرقت منه الحياة جزءًا آخر.

ومع ذلك… استمروا. لأن الإنسان لا يُقاس بما منحته له الحياة، بل بما استطاع أن يصنعه مما مُنح. قد لا نملك أن نختار آباءنا، ولا أوطاننا، ولا الظروف التي نولد فيها، ولا الخسارات التي تصلنا دون موعد. لا نستطيع أن نمنع الريح من أن تهبّ، ولا المطر من أن يهطل فوق أحلامنا. لكننا نملك شيئًا أكثر أهمية من كل ذلك: أن نقرر إلى أين نتجه بعد العاصفة.

أحيانًا، تكون أقسى معارك الإنسان تلك التي لا يراها أحد. يستيقظ صباحًا وفي داخله سؤالٌ ثقيل: هل أستطيع أن أبدأ من جديد؟ يمضي بين الناس مبتسمًا، بينما يخوض في أعماقه حربًا لا يسمع صوتها أحد. يسقط مرة، ثم يخجل من سقوطه. يحاول مرة أخرى، ثم تخذله النتيجة. فيبدأ بالاعتقاد أن المشكلة فيه، وأن الحلم أكبر منه، وأن الطريق لم يُخلق لأجله.

وهنا تحديدًا، لا تكون الهزيمة في أن تسقط، بل في أن تصدّق أن سقوطك هو قدرك. فالظروف قد تكسر نافذةً في بيتك، لكنها لا تستطيع أن تمنعك من بناء بيتٍ جديد. قد تأخذ منك شخصًا تحبه، لكنها لا تستطيع أن تأخذ منك قدرتك على الحب. قد تغلق أمامك طريقًا، لكنها لا تملك أن تغلق الطرق كلها. وقد تؤخر حلمك أعوامًا، لكنها لا تستطيع أن تقنع قلبًا يؤمن به بأنه لم يكن يستحق المحاولة.

نحن نخطئ حين نطلب من الحياة أن تكون عادلة دائمًا، ثم نربط أحلامنا بمدى عدالتها. الحياة ليست كتابًا مرتبًا بعناية؛ فيها صفحاتٌ ممزقة، وأيامٌ ناقصة، وأبوابٌ لا تُفتح مهما طرقناها. لكن ذلك لا يعني أن نتوقف عن الكتابة.

فالكتاب الذي تتركه الظروف تكتبه وحدها، قد يكون مليئًا بالنهايات التي لم تخترها. أما الكتاب الذي تكتب صفحاته بيدك، فقد يكون أكثر تعبًا… لكنه يحمل اسمك.

لا تجعل فشلك الأول يعرّفك. ولا تجعل تأخرك عن الآخرين يجعلك تكره طريقك. ولا تنظر إلى حياة غيرك وكأنها المقياس الذي يجب أن تصل إليه في الوقت نفسه. لكل إنسان ساعته، ولكل حلم موسمه، ولكل زهرة وقتها الخاص لتفتح. ربما تأخرت لأنك كنت تتعلم. ربما خسرت لأنك كنت تكبر. ربما أُغلقت بعض الأبواب لأن الطريق الذي خلفها لم يكن طريقك أصلًا. وربما، دون أن تعرف، كانت الحياة تهيئك لنسخةٍ منك لم تكن لتولد لو أن كل شيء سار كما أردت.

لهذا، حين تضيق بك الحياة، لا تسألها فقط: «لماذا حدث هذا لي؟». اسأل نفسك أيضًا: «ماذا سأصنع بما حدث؟». فالسؤال الأول يبحث عن تفسيرٍ للماضي، أما الثاني فيفتح نافذةً للمستقبل. والمستقبل لا يحتاج إنسانًا لم يسقط قط؛ يحتاج إنسانًا يعرف كيف ينهض.

قد تصل متأخرًا، لكن الوصول المتأخر يظل وصولًا. قد تمشي ببطء، لكن الخطوة البطيئة تظل خطوة إلى الأمام. وقد تبكي وأنت تمشي، وهذا لا يعني أنك ضعيف؛ فبعض الطرق لا تُقطع بالقدمين وحدهما، بل بالقلب أيضًا. وفي يومٍ ما، حين تلتفت خلفك، ستكتشف أن الأشياء التي ظننتها نهاياتٍ كانت مجرد فواصل. سترى أن تلك الليلة الطويلة لم تكن آخر الليل، وأن الباب الذي أُغلق لم يكن آخر الأبواب، وأنك، رغم كل ما حدث، كنت تملك دائمًا فرصةً صغيرة لتكتب سطرًا جديدًا. لذلك لا تمنح ظروفك قلمك. لا تسمح للخسارة أن تختار اسم الفصل الأخير. ولا تجعل الآخرين يحددون لك حجم الحلم الذي يحق لك أن تحلم به.

فأنت لست الصفحة التي وُلدت عليها، ولا الجرح الذي تركته الأيام فيك، ولا عدد المرات التي سقطت فيها. أنت ما تفعله بعد السقوط. وأحيانًا، تكون أعظم انتصارات الإنسان أن ينهض دون أن يصفق له أحد. أن يبدأ من الصفر دون أن يخجل من الصفر. أن يحمل قلبه المتعب، ويقول للحياة بكل هدوء:

(لم تنتهِ حكايتي بعد)

فلا تجعل ظروفك تكتب نهايتك… فأنت وحدك من يملك القلم..

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026