
أشواق البدري
هو من أكثر الأجيال اختلافاً في طريقة تفكيره وتعامله مع الحياة والمجتمع. وهو الجيل الذي نشأ في عصر الإنترنت والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، فلم يعد العالم بالنسبة إليه محصوراً بالحدود الجغرافية أو بالمعلومات التقليدية، بل أصبح فضاءً مفتوحاً تتداخل فيه الثقافات والأفكار والفرص
هذا الجيل لا ينظر إلى مستقبله بالطريقة التي كانت تنظر بها الأجيال السابقة. فهو يبحث عن الاستقلالية، وعن العمل الذي يمنحه قيمة ومعنى، ويريد أن تكون لديه مساحة للتعبير عن أفكاره واختيار طريقه بنفسه. كما أن التكنولوجيا بالنسبة إليه ليست مجرد وسيلة للترفيه، وإنما أصبحت أداة للتعلم والعمل والتواصل وصناعة المشاريع والفرص
وفي المجتمع العراقي يمثل الجيل الحديث شريحة واسعة تمتلك طاقات وإمكانات كبيرة، إلا أنها تواجه في الوقت نفسه تحديات حقيقية، من بينها البطالة، وصعوبة الحصول على فرص تتناسب مع قدراتهم، والفجوة بين التعليم واحتياجات سوق العمل، إضافة إلى التأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي على أفكارهم وطريقة تفاعلهم مع المجتمع
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا الجيل بالمشكلات والتحديات. فالكثير من أبناء الجيل الحديث استطاعوا أن يحولوا التكنولوجيا إلى مساحة للإبداع والعمل، فمنهم صناع المحتوى، والمبرمجون، وأصحاب المشاريع الرقمية، والناشطون في المجالات الإنسانية والمجتمعية، والمهتمون بالذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختلاف هذا الجيل عن الأجيال السابقة، وإنما في كيفية فهم هذا الاختلاف والتعامل معه بصورة صحيحة. فالشباب لا يحتاجون دائماً إلى من يقدم لهم النصائح، بقدر حاجتهم إلى من يستمع إليهم ويفهم تطلعاتهم ويوفر لهم الفرص
ومن المهم أن تكون المؤسسات التعليمية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص أكثر قرباً من هذا الجيل، وأن تعمل على تطوير برامج تدريبية ومبادرات تتناسب مع اهتماماته ومهاراته، خصوصاً في المجالات الرقمية وريادة الأعمال والعمل التطوعي والمشاركة المدنية
كما أن مسؤولية الأسرة والمجتمع لا تتمثل في محاولة تغيير شخصية الجيل الحديث أو مقارنته باستمرار بالأجيال السابقة، وإنما في توجيه طاقاته بصورة إيجابية، وتعزيز ثقته بنفسه، وتعليمه كيفية استخدام التكنولوجيا بصورة واعية ومسؤولة
الجيل الحديث لا يريد أن يكون مجرد متلقٍ، بل يريد أن يكون شريكاً. يريد أن يُسمع صوته، وأن تُمنح له فرصة حقيقية للمشاركة وصناعة القرار والمساهمة في بناء مجتمعه
ولذلك فإن الاستثمار بهذا الجيل يجب ألا يكون شعاراً، وإنما مشروعاً حقيقياً يبدأ بالتعليم، ويمر بالتأهيل والعمل، وينتهي بتمكين الشباب من أن يكونوا شركاء في صناعة المستقبل
إن العراق اليوم أمام فرصة مهمة؛ فهذه الطاقات الشابة يمكن أن تتحول إلى قوة اقتصادية واجتماعية وثقافية كبيرة إذا ما تم احتضانها بالشكل الصحيح
الجيل الحديث ليس جيلاً متمرداً على المجتمع كما يصفه البعض، بل هو جيل يبحث عن مكانه ودوره وصوته في مجتمع سريع التغير. والمسؤولية الحقيقية تقع علينا جميعاً: أن نفهمه، ونثق به، ونفتح أمامه الطريق ليصنع مستقبله ويساهم في صناعة مستقبل العراق.


