• Home  
  • معاناة الشباب في العراق: أزمة هيكلية تبحث عن حلول جذرية
- بيئة واقتصاد

معاناة الشباب في العراق: أزمة هيكلية تبحث عن حلول جذرية

أنغام إبراهيم يمثل الشباب العراقي الفئة العمرية الأوسع في الهرم السكاني، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من ٦٠٪ من السكان هم دون سن الخامسة والعشرين، مما يجعل استثمار هذه الشريحة الحيوية رهناً أساسياً لمستقبل البلاد. غير أن هذا الشباب يعاني من أزمات هيكلية متراكمة ومعقدة، تتصدرها معدلات البطالة المرتفعة التي تعد من الأعلى في […]

أنغام إبراهيم

يمثل الشباب العراقي الفئة العمرية الأوسع في الهرم السكاني، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من ٦٠٪ من السكان هم دون سن الخامسة والعشرين، مما يجعل استثمار هذه الشريحة الحيوية رهناً أساسياً لمستقبل البلاد. غير أن هذا الشباب يعاني من أزمات هيكلية متراكمة ومعقدة، تتصدرها معدلات البطالة المرتفعة التي تعد من الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفق تقارير البنك الدولي، إلى جانب غياب فرص العمل الحقيقية، ونقص المهارات المهنية الملائمة لمتطلبات سوق العمل الحديث. كما يواجهون تحديات التهميش السياسي وضعف المشاركة الفاعلة في صنع القرار، الأمر الذي يدفع أعداداً متزايدة منهم نحو الهجرة القسرية أو الاستسلام لليأس والإحباط.

رغم امتلاك العراق ثروات نفطية هائلة، إلا أن الشباب يعانون من نقص حاد في فرص العمل، ويتركز الاعتماد بشكل مفرط على القطاع العام الذي بات عاجزاً عن استيعاب آلاف الخريجين الجدد سنوياً. هذا الخلل الهيكلي في الاقتصاد الريعي يوسع دائرة الفقر والبطالة، ويجعل الاقتصاد العراقي هشاً وغير قادر على توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي الفئات الأكثر احتياجاً.

تشير التقارير الدولية الصادرة عن منظمات الأمم المتحدة إلى أن حوالي ٦٠٪ من الشباب العراقي يفتقرون إلى المهارات المهنية والتقنية الضرورية للالتحاق بسوق العمل الإنتاجي. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى ضعف جودة مخرجات التعليم، وانفصال المناهج الدراسية عن الاحتياجات الفعلية للسوق، مما ينتج عنه تخريج أعداد كبيرة من حملة الشهادات دون كفاءات تطبيقية، في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى أيادٍ عاملة ماهرة في مجالات التكنولوجيا والصناعة والزراعة.

يعاني الشباب من شعور مركّب بالتهميش والإقصاء، إذ تظل مشاركتهم في الحياة العامة وصنع القرار محدودة للغاية، رغم أنهم يمثلون الأغلبية العددية. هذا العزل السياسي يُفقد العملية الديمقراطية حيويتها، ويُبقي على هيمنة النخب التقليدية التي لا تعبر عن تطلعات الجيل الجديد في التغيير والبناء.

أدت هذه الظروف القاسية إلى تفاقم الأزمات النفسية بين الشباب، حيث انتشرت حالات الاكتئاب والقلق المزمن، بالإضافة إلى تنامي ظاهرة تعاطي المخدرات والعنف الأسري، والتي باتت تشكل تهديداً حقيقياً للنسيج الاجتماعي. كما أسهم الاستخدام السلبي وغير الموجه لوسائل التواصل الاجتماعي في تعميق العزلة وضعف الانتماء، بدلاً من أن يكون أداة للوعي والتطوير.

دفع النشطاء الشباب ثمناً باهظاً لمطالباتهم المشروعة بالتغيير في الأوضاع السياسية والاقتصادية، وعلى رأسها احتجاجات تشرين (أكتوبر) ٢٠١٩ التي شهدت أكبر حراك شبابي في التاريخ العراقي المعاصر. إذ واجه هؤلاء حملات اعتقال ومضايقات أمنية متواصلة، كما أن منع الشباب من التعبير عن آرائهم وأفكارهم الإيديولوجية يُشكل خطراً واضحاً على حرية الرأي العام، ويفرض حالة من التراجع القسري على القوى الشبابية التي تسعى إلى استقلالية قرارها بعيداً عن ضغوط السلطات الحاكمة.

يعاني طلاب الجامعات، ذكوراً وإناثاً، من تحويل مؤسساتهم الأكاديمية إلى تابعية حزبية أو سلطوية، حيث تُصاغ المناهج الدراسية وفق رؤى خاصة تبتعد عن المعايير الأكاديمية المعمول بها في العراق سابقاً، وعن الأنظمة التعليمية العالمية حالياً. إن تخلف البرامج الأساسية وغياب التأسيس التربوي والاجتماعي السليم يحرم هؤلاء الشباب من فرصة التحول إلى قادة سياسيين واقتصاديين واجتماعيين مؤهلين. وهذا يؤكد أن معاناة الشباب هي في جوهرها امتداد لانتشار الفساد الإداري والمالي في كل مفاصل الدولة.

وفي إطار هذا الفساد، فإن توجه الحكومة نحو خصخصة الجامعات وتحويلها إلى مؤسسات أهلية يفرض أعباء مالية طائلة على الطلاب، حيث تصل الأقساط السنوية في بعض الكليات إلى أكثر من أربعة ملايين دينار عراقي، وهو مبلغ يفوق القدرة المادية لغالبية الأسر العراقية، مما يضطر العديد من الطلبة إلى ترك مقاعدهم الدراسية لعدم تمكنهم من سداد هذه المبالغ الباهظة، في مشهد يعيد إنتاج الفقر ويُعمق الفجوة الطبقية.

ما نذكره الآن، ليس إلا غيضاً من فيض معاناة الشباب العراقي، الذين يواجهون تحديات وجودية تهدد مستقبلهم. والحكومة الحالية مدعوة إلى اتخاذ خطوات عاجلة وجذرية، لا تقتصر على توفير فرص عمل للخريجين أو العاطلين عن العمل ممن اضطروا لترك الدراسة بسبب أوضاع اقتصادية خارجة عن إرادتهم، بل تتعدى ذلك إلى إعادة هيكلة شاملة للمنظومة التعليمية، ومحاربة الفساد، وإطلاق مبادرات داعمة لريادة الأعمال، والاستماع الفعلي لمطالب الشباب في إطار وطني جامع، قبل أن تتحول الأزمة الديموغرافية إلى كارثة إنسانية وسياسية لا تُحمد عقباها.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026