
مازن عبد السلام
منذ دورته الأولى وحتى دورته السابعة والعشرين، لم يكن معرض بغداد مجرد حدث للكتاب، بل كان نافذةً تُطلّ على بغداد والعراق بصورة مختلفة.
لقد سلّط الضوء على جمال بغداد، وثقافتها، وتاريخها، وروحها، وجعل من المعرض مساحةً يلتقي فيها الكتاب بالمدينة، والثقافة بالناس، والزائر بتجربة قد تجعله يتمنى ألّا يغادر المكان. ومع مرور السنوات، أصبح المعرض واحدًا من الأحداث التي تضيف إلى بغداد جماليةً خاصة، وتعزز حضورها وسمعتها الثقافية.
لكن للمعرض جانبًا آخر لا يظهر في الصور، ولا تتحدث عنه المنشورات الترويجية كثيرًا، وربما يكون الحديث عنه مزعجًا للبعض.
أنا لا أريد أن أظلم الزوار، ولا أنكر وجود أشخاص يأتون بدافع حقيقي من حب الكتاب والقراءة. لكن عندما تراقب المشهد عن قرب، ستلاحظ أن شغف القراءة ما زال أقل بكثير مما يفترض أن يكون عليه في معرض يُفترض أن يكون الكتاب والثقافة روحه الأساسية.
نرى التصوير، والأكل، واللقاءات، ومشاركة اللحظات على مواقع التواصل، وهذا كله ليس خطأً بحد ذاته. فمن حق الإنسان أن يستمتع بوقته، وأن يحتفظ بذكرياته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الكتاب مجرد خلفية للصورة.
فأين القارئ؟
القارئ الحقيقي لا يدخل معرض الكتاب ليصور نفسه فقط، ثم يغادر. هو يبحث، ويسأل، ويقلب صفحات الكتب، يقرأ العناوين، يتوقف عند فكرة تستفزه، يفتح كتابًا لم يكن يعرفه، وربما يخرج من المعرض وهو يحمل مجموعة من الكتب والأفكار التي لم تكن جزءًا من يومه قبل دخوله.
وهذا المشهد لفت انتباهي بشكل واضح لدى كثير من الزوار القادمين من خارج العراق. تجد الواحد منهم يعيش مع الكتب؛ يبحث عن العناوين، يناقش، يسأل، يكتشف، وفي النهاية يخرج محمّلًا بالكتب.
أما عندنا، فالمشهد مختلف في كثير من الأحيان.
وهذا ليس اتهامًا للشعب العراقي بأنه لا يقرأ، ولا حكمًا على كل من يأتي إلى المعرض، وإنما هو سؤال ينبغي أن نمتلك الشجاعة لمواجهته:
هل نجحنا فعلًا في صناعة شغف بالقراءة، أم أننا نجحنا فقط في صناعة فعالية جميلة للحضور والتصوير؟
المعرض ليس مكانًا نذهب إليه حتى نقول: “كنت هناك”.
المعرض الحقيقي يجب أن يجعلك تعود إلى بيتك وأنت تحمل كتابًا، أو فكرة، أو سؤالًا، أو حتى رغبة جديدة بأن تبدأ القراءة.
وأقول هذا الكلام من داخل المعرض نفسه، لا من خارجه. فقد تحدثت بالأمس مع قناتين إعلاميتين عن هذا الموضوع، لكن للأسف لم يُنشر لقائي.
أنا أتفهم أن الحديث عن السلبيات قد يكون حساسًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفعالية كبيرة ومهمة مثل معرض بغداد، لكن إذا أصبح كل نقد إساءة، فمتى نتحدث عن الأخطاء؟ ومتى نناقش ما يحتاج إلى تطوير؟
أنا لا أهاجم المعرض، ولا أحاول تشويه صورته، ولا أقلل من جهود الأشخاص الذين يعملون من أجل إنجاحه.
أنا متطوع داخل هذا المعرض، ونجاحه يعنيني قبل غيري.
ولهذا تحديدًا أتكلم.
لأنني أريد الحفاظ على روح المعرض، لا مجاملة صورته.
أريد أن يبقى الكتاب هو بطل المشهد، وأن تكون الثقافة هي الغاية، وأن يتحول الزائر من مجرد متفرج إلى قارئ.
قد يزعج البعض هذا الكلام، وقد يختلف معي آخرون، وهذا حقهم. لكنني أفضل أن أقول الحقيقة كما أراها، بدل أن نصفق لكل شيء لمجرد أننا جزء منه.
وأعتقد أن أعظم مكافأة يمكن أن تقدمها لنفسك هي أن تغيّر من نفسك، وأن تمنحها فرصة جديدة كل عام؛ أن تذهب إلى معرض بغداد، تتجول بين أجنحته، تفتح كتابًا، تكتشف فكرة، وتمنح عقلك فرصة لأن يرى شيئًا جديدًا.
هذه السنة، كانت الكتب كثيرة ومتنوعة، وبعضها جميل ويستحق القراءة. لكن إذا أردنا أن نسأل عمّا ينقص المعرض حقًا، فسأكررها مرة أخرى:
ما ينقصه ليس الكتاب… بل القارئ الشغوف.
فالكتاب وحده لا يصنع الثقافة.
الذي يصنع الثقافة هو قارئ يفتح الكتاب، ويقرأه بشغف، ويفهمه بوعي، ويناقشه، ويختلف معه أحيانًا، ثم يحمل ما تعلمه معه إلى حياته.
فالمعرض لا تكتمل قيمته بعدد الكتب الموجودة على الرفوف، ولا بعدد الصور الملتقطة بين أجنحته، وإنما بعدد العقول التي خرجت منه وهي أكثر فضولًا، وأكثر وعيًا، وأكثر حبًا للمعرفة.
فالكتاب ينتظر قارئه… والمعرض ينتظر أن نكون ذلك القارئ.


