• Home  
  • 30 أيلول: ساعة الحقيقة العراقية بين الانسحاب والسلاح
- أخبار

30 أيلول: ساعة الحقيقة العراقية بين الانسحاب والسلاح

صبحي البدري – رئيس التحرير بعد أقل من ثلاثة أسابيع، يجد العراق نفسه على مفترق طرق تاريخي لم يشهده منذ عام 2003. ففي الثلاثين من أيلول الجاري، تتقاطع ثلاث ملفات مصيرية في لحظة واحدة: انسحاب القوات الأمريكية والتحالف الدولي، والموعد الذي حددته الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، وتصاعد الهجمات الأمريكية على إيران التي تحوّل الأجواء […]

صبحي البدري – رئيس التحرير

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، يجد العراق نفسه على مفترق طرق تاريخي لم يشهده منذ عام 2003. ففي الثلاثين من أيلول الجاري، تتقاطع ثلاث ملفات مصيرية في لحظة واحدة: انسحاب القوات الأمريكية والتحالف الدولي، والموعد الذي حددته الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، وتصاعد الهجمات الأمريكية على إيران التي تحوّل الأجواء العراقية إلى ساحة عبور للصواريخ والمسيّرات.

المشهد الراهن: ثلاث أزمات في لحظة واحدة

لنبدأ بالانسحاب. في الثلاثين من أيلول، تنتهي مهمة التحالف الدولي في العراق رسمياً، وفق اتفاق بغداد وواشنطن الذي أُبرم عام 2024. لكن السؤال الذي يطرحه كل مراقب: هل يعني الانسحاب نهاية النفوذ الأمريكي، أم مجرد تغيير في شكله؟ الجواب واضح لمن يقرأ المشهد بعمق. أمريكا ستحتفظ بأكبر سفارة وقنصلية في بغداد وأربيل، ومصالحها الاقتصادية والسياسية لن تغادر مع الجنود.

أما الملف الثاني، فهو حصر السلاح بيد الدولة. الحكومة تقول إن الحوار مستمر مع الفصائل، وإن ثلاثة من كبرى الفصائل سلّمت سلاحها بالفعل. لكن خمس فصائل رفضت الموعد النهائي، وفي مقدمتها “كتائب حزب الله” التي اشترطت ضمانات بعدم عودة القوات الأمريكية وإنهاء النفوذ السياسي والاقتصادي لواشنطن.

أما الملف الثالث، فهو الأخطر والأكثر إلحاحاً. فمع تصاعد الهجمات الأمريكية على إيران، تحوّل المجال الجوي العراقي إلى ممر للصواريخ والمسيّرات، واستُهدفت قواعد أمريكية في أربيل، فيما ردّت إيران بهجمات على أهداف في الأردن والعراق.

التداعيات: ما الذي ينتظر العراق؟

السيناريو الأول هو “الفوضى المنضبطة”: انسحاب أمريكي شكلي مع استمرار النفوذ السياسي والاقتصادي، وحصر سلاح جزئي مع بقاء فصائل قوية خارج السيطرة، واستمرار العراق كساحة للصراع الأمريكي-الإيراني. هذا سيناريو “إدارة الأزمة” لا حلها.

السيناريو الثاني هو “المواجهة الداخلية”: إذا حاولت الحكومة فرض حصر السلاح بالقوة، فقد تواجه مقاومة مسلحة تتحول إلى اقتتال داخلي. الاعتقالات الأخيرة لعناصر من “حركة النجباء” أثارت تهديدات بالرد وتدخل سياسيين شيعة لاحتواء الموقف. هذا يعني أن أي خطوة أمنية ضد الفصائل قد تفتح باباً لا يُغلق بسهولة.

السيناريو الثالث هو “الانفجار الإقليمي”: إذا توسعت الحرب الأمريكية-الإيرانية، فقد يجد العراق نفسه في وسط عاصفة لا يمكنه التحكم بها. الهجمات على أربيل ليست سوى مؤشر على ما قد يأتي.

خارطة طريق للخروج من عنق الزجاجة

ما العمل إذن؟ أولاً، على بغداد أن تدرك أن الوقت ليس في صالحها. كل يوم يمر دون حسم ملف السلاح يجعل الفصائل أكثر تشدداً وأقل استعداداً للتفاوض. يجب الانتقال من “الحوار المفتوح” إلى “الجدول الزمني الملزم”، مع تقديم ضمانات حقيقية للفصائل التي تخشى على مستقبلها.

ثانياً، لا يمكن معالجة ملف السلاح بمعزل عن الانسحاب الأمريكي. الحكومة تحتاج إلى ربط المصيرين علناً: “نحن ننهي الوجود الأجنبي، وعليكم تسليم سلاحكم”. هذا الرابط موجود بالفعل في خطاب الفصائل، لكنه يحتاج إلى ترجمة عملية.

ثالثاً، على العراق أن يستثمر في الدفاع الجوي بجدية. إذا كانت أمريكا ستسحب “باتريوت”، فعلى بغداد أن تتعاقد فوراً على منظومات بديلة من كوريا أو حتى روسيا.

رابعاً، على الحكومة أن تستثمر في مكافحة الفساد كأداة لبناء الثقة. المواطن العراقي لن يثق بدولة تحصر السلاح لكنها لا تحاصر الفساد.

العراق اليوم أمام لحظة تاريخية نادرة: إما أن يستثمرها لبناء دولة حقيقية، أو أن يتركها تمر ليجد نفسه في نفق مظلم لا نهاية له. الثلاثون من أيلول ليس مجرد موعد، بل هو اختبار للإرادة السياسية والقدرة على الموازنة بين ضغوط واشنطن وطهران وتطلعات الشعب. القرار ليس سهلاً، لكن التأجيل ليس خياراً. إما أن يكون العراق دولة، أو أن يكون ساحة. وهذا هو السؤال الذي يجب أن يجيب عليه كل سياسي عراقي قبل أن تدق الساعة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026