في تصعيد جديد للتوترات بين واشنطن وطهران، جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديداته العسكرية ضد إيران، معلناً أن بلاده قد تضرب موقع “جبل الفأس” النووي المحصن، ومؤكداً أن إيران “تنهار” ولم تعد “المتنمر في الشرق الأوسط” على حد تعبيره. جاءت هذه التصريحات خلال كلمة ألقاها ترامب في مؤتمر الحزب الجمهوري بولاية دالاس استعداداً لانتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني المقبل.
تهديد بضرب “جبل الفأس”
أعلن الرئيس الأمريكي أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب موقع “جبل الفأس” النووي الإيراني، محذراً طهران من أي تحركات متهورة في الموقع. وقال ترامب في كلمته: “نلاحظ وجود بعض الأنشطة في جبل الفأس. وأنصح إيران بعدم التلاعب أو القيام بحركات متهورة، لأننا سنضطر إلى توجيه ضربة قوية جداً لهم”.
وأضاف ترامب: “هناك مكان آخر يسمى جبل الفأس، مكان جميل آخر. قد نضطر إلى توجيه ضربة هناك أيضاً لأن أحدهم قال إن هناك حركة صغيرة في الموقع”. وأكد أن الولايات المتحدة “لا تحتاج إلى الكثير من المعلومات لمراقبة الموقع”، مشيراً إلى قدرات المراقبة الأمريكية المتقدمة.
ويأتي هذا التهديد بعد ساعات من تقرير لشبكة “سي إن إن” أفاد بتكثيف أعمال البناء في الموقع خلال العام الجاري، استناداً إلى تحليل صور أقمار اصطناعية امتد على مدار ست سنوات. وكشف تحليل أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عن “زيادة واضحة في أنشطة البناء” في الموقع، الذي لطالما أثار اهتمام أجهزة الاستخبارات باعتباره موقعاً محتملاً يمكن أن تستخدمه إيران لتأمين وحماية منشآت برنامجها النووي.
ما هو “جبل الفأس”؟
يقع موقع “جبل الفأس”، المعروف محلياً باسم “كوه كلانغ”، على بعد نحو 225 كيلومتراً جنوب العاصمة طهران، ضمن سلسلة جبال زاغروس بمحافظة أصفهان، وعلى مقربة من منشأة نطنز النووية. ويتألف الموقع من أربعة مداخل رئيسية – اثنان في الجانب الشرقي ومثلهما في الغربي – يبلغ عرض كل منها ستة أمتار وارتفاعها ثمانية أمتار.
وتفيد التقديرات بأن المنشأة محفورة على عمق يصل إلى 600 متر تحت طبقات من الغرانيت الصلب، مما يجعلها بحسب المصادر نفسها بمنأى عن أقوى القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات، مثل “جي بي يو-57” التي استُخدمت في الغارات الأخيرة. وبدأ بناء الموقع عام 2020، عقب سلسلة من الهجمات التخريبية التي طالت منشأة نطنز ونُسبت إلى إسرائيل.
مضيق هرمز و”مضيق ترامب”
في تصريحات أثارت جدلاً واسعاً، اقترح الرئيس الأمريكي إعادة تسمية مضيق هرمز الاستراتيجي ليحمل اسمه، قائلاً: “أعتقد أننا يجب أن نسمي مضيق هرمز ‘مضيق ترامب’. يجب أن أحصل على شيء مقابل ذلك”. وأضاف مازحاً: “أنا متأكد من أن القيادة الإيرانية ستكون سعيدة بذلك”.
وجدد ترامب التأكيد على أن مضيق هرمز يخضع للسيطرة الأمريكية، قائلاً: “نحن نفوز بالحرب ضد إيران ونتحكم في مضيق هرمز”. وأشار إلى أن نحو 18 مليون برميل من النفط تعبر المضيق يومياً حالياً، مقارنة بنحو 20 مليون برميل قبل الحرب.
الوضع الداخلي والانتخابات
ربط ترامب تهديداته العسكرية بالاستحقاق الانتخابي المقبل، مؤكداً أن “الحرب مع إيران ستنتهي فوراً بعد أن نفوز في الانتخابات القادمة”، في إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشير فيه تقارير إلى تقديرات أكثر حذراً داخل إدارته، حيث حذر مستشارون كبار في البيت الأبيض من احتمال استمرار الصراع مع إيران حتى نهاية ولايته الرئاسية، وفقاً لما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”.
وعن الوضع الداخلي، قال ترامب: “العامان الماضيان كانا الأكثر نجاحاً وسنجعل بلادنا أقوى وأكثر أماناً وثراءً وحرية من أي وقت مضى”. وتابع: “أوقفنا الهجرة التي كانت كارثة تهدد بلادنا بفضل الجدار الذي شيدناه على حدودنا الجنوبية وسياستنا منطقية وعقلانية”. وأضاف: “سيكون لدينا استقلال وهيمنة في قطاع الطاقة وسنحقق تفوقاً في هذا المجال”.
السياق الإقليمي: حرب مستمرة
تدخل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران شهرها السابع، مع تبادل الضربات ما ينذر بمزيد من التصعيد العسكري. ووفقاً لتقارير، تعتمد واشنطن استراتيجية “الشنق الاقتصادي” ضد إيران، ترافقها عمليات عسكرية محدودة، فيما ينهار الاقتصاد الإيراني تحت ضغط العقوبات وتراجع قدرات أذرعها الإقليمية.
وقد أعلن الرئيس الأمريكي أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت إلى “الصفر”، مشيراً إلى أن العملة الإيرانية تتجه نحو “الهاوية”. وكان البيت الأبيض قد قال في 28 آب إن إيران لم تصدر نفطاً من شواطئها منذ استئناف الحصار الأمريكي في تموز.
وفي تطور لافت، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف سفينتين أمريكيتين وناقلات نفط في مضيق هرمز رداً على تدمير واشنطن خمس ناقلات إيرانية. من جانبها، أعلنت إيران قرب التوصل إلى تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن مسار آمن ومؤقت لعبور السفن في المضيق، وفقاً لما ذكره المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي.
تعكس تصريحات ترامب الأخيرة تصعيداً غير مسبوق في الحرب مع إيران، حيث يجمع بين التهديدات العسكرية المباشرة ضد المواقع النووية المحصنة، والمطالب الرمزية بإعادة تسمية مضيق هرمز الاستراتيجي. وبينما تؤكد واشنطن أن إيران “تنهار” اقتصادياً وعسكرياً، تشير تقارير إلى أن الصراع قد يمتد لسنوات، مما يضع المنطقة أمام مخاطر متزايدة. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ستنجح التهديدات الأمريكية في إجبار طهران على التراجع، أم أن الحرب ستشهد جولة جديدة من التصعيد قد تمتد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة؟



