
محمد العجيلي
يقف العراق اليوم أمام مرآة تعكس واقعاً بيئياً قاسياً؛ أنهار دجلة والفرات تجف، والأهوار التي كانت مهداً للحضارات تتحول إلى أرض متشققة، ودرجات الحرارة ترتفع أسرع من المعدل العالمي. لكن العراق لا يعاني فقط من الجفاف. فالفساد المستشري في مفاصل الدولة، ونظام المحاصصة السياسية الذي أعاق بناء مؤسسات حكومية فاعلة وقادرة على التخطيط الاستراتيجي، والتهميش الحكومي للقضايا البيئية، كلها عوامل تحول دون مواجهة التحديات البيئية بفعالية. في هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للشباب العراقي، الذي يشكل نحو 60% من السكان، أن يبني وعياً بيئياً ويعمل على حماية البيئة في ظل هذه الظروف القاسية؟ وكيف يمكن تنمية الأمل لديه ليكون فاعلاً في التغيير، لا ضحية لليأس؟
واقع الأزمة البيئية في العراق – أبعاد متشابكة
1. الجفاف وندرة المياه: أزمة وجودية
يعاني العراق من أسوأ أزمة مياه منذ أكثر من 90 عاماً. فقد بلغت الاحتياطات المائية الوطنية أدنى مستوى لها منذ 80 عاماً، حيث هبطت إلى حوالي 4 مليارات متر مكعب. وتشير التقديرات إلى أن العراق سيواجه عجزاً مائياً يبلغ نحو عشرة مليارات متر مكعب بحلول عام 2035، مما سيؤدي إلى فقدان نحو 25 ألف هكتار من الأراضي الزراعية سنوياً. والأكثر إثارة للقلق أن 70% من الأراضي الزراعية في العراق مهددة بالتدهور الكامل بسبب التغير المناخي.
2. الفساد والمحاصصة: عائق بنيوي
لكن التحدي الأكبر لا يقتصر على الطبيعة؛ فالفساد وضعف الحوكمة البيئية يفاقمان الأزمة. تشير الدراسات إلى أن مشاكل المياه في العراق لا تعود في المقام الأول إلى التغير المناخي، بل إلى ضعف الحوكمة البيئية والمائية، خاصة على مدى العقدين الماضيين، مما أدى إلى خسائر مائية كبيرة وتلوث واسع النطاق. فالمؤسسات الحكومية المسؤولة عن البيئة والمياه تعاني من ضعف التنسيق بينها بسبب العلاقات المتوترة بين الفصائل السياسية التي تسيطر على هذه الدوائر، وتُعطى الأولوية للاستثمارات قصيرة الأجل التي تحقق مكاسب مالية أو سياسية للأحزاب المهيمنة.
نظام المحاصصة القائم على الهويات الطائفية والعرقية، والذي أُدخل بعد عام 2003، أنشأ نظام حكم مجزأ وضعيف، غير قادر إلى حد كبير على تلبية الاحتياجات الهيكلية المعقدة للبلاد. وقد أدى ذلك إلى تراكم مشاكل بيئية تتطلب مستويات استثنائية من الاستثمار لمنع المزيد من التدهور.
3. الجهل المجتمعي والتهميش الحكومي
إلى جانب الجفاف والفساد، يعاني المجتمع العراقي من ضعف في الوعي البيئي. ففي ظل انشغال المواطنين بتداعيات الأوضاع الاقتصادية والسياسية، تتراجع القضايا البيئية في سلم الأولويات. كما أن الحكومات المتعاقبة، رغم إقرارها بقضايا البيئة، افتقرت إلى استراتيجيات شاملة وطويلة الأمد لإدارة الموارد المائية والأرضية. فعلى سبيل المثال، اعتمدت استراتيجية الموارد المائية والأرضية في العراق (2015-2035) على قاعدة بيانات واسعة، لكن الاستثمارات التي تطلبتها كانت بعيدة كل البعد عما تستطيع الحكومة أو ترغب في تخصيصه، مما جعل الاستراتيجية غير فعالة.
لماذا الشباب؟ – طاقة التغيير في مواجهة المستحيل
رغم هذا المشهد القاتم، يبقى الشباب العراقي المصدر الأكبر للأمل. فالشباب ليسوا مجرد ضحايا للأزمة البيئية، بل هم في قلب الفرصة أيضاً. يتجلى ذلك في عدة مظاهر:
أولاً: الكم الهائل. يشكل الشباب تحت سن 25 عاماً نحو 60% من سكان العراق. هذا يعني أن أي حراك بيئي لا يستهدف الشباب يفقد أكبر شريحة ممكنة من الفاعلين.
ثانياً: الاستعداد للعمل. تثبت التجارب الميدانية أن الشباب العراقي مستعد للمبادرة. فقد تطوع أكثر من ألف شاب في إقليم كردستان للمشاركة في مشاريع الحفاظ على المياه، ونفذ شباب دهوك مشاريع بحثية ميدانية شملت مسح 222 أسرة حول ممارسات تخزين المياه، وأطلقوا حملات توعوية أدت إلى تغيير فعلي في سلوك الأسر بل وحتى في إجراءات دوائر حكومية.
ثالثاً: الإبداع والابتكار. أظهر الشباب العراقي قدرة على تقديم حلول مبتكرة. ففي مؤتمر المبتكرين الأخضر العراقي، قدمت فرق شبابية مشاريع في الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة وإدارة النفايات، منها مشروع “ABZU” الذي يولد الكهرباء النظيفة وينقي المياه في آن واحد، ومشروع تدريب الجيل الأول من مستشاري المناخ في العراق.
رابعاً: الوعي بالمسؤولية. يدرك الشباب العراقي أن مستقبلهم مرتبط بمستقبل بيئتهم. وقد عبّر المندوبون الشباب في مؤتمر COP29 عن هذا الوعي، حيث قدموا أفكاراً مبتكرة وحلولاً عملية للحوار المناخي العالمي، عاكسين تطلعات شباب بلادهم.
تنمية الأمل – من اليأس إلى الفعل
ربما يكون التحدي الأكبر هو تنمية الأمل في نفوس الشباب في ظل هذا المشهد القاتم. وهنا تبرز أهمية:
أولاً: سرديات النجاح. إن تسليط الضوء على قصص النجاح، مهما كانت صغيرة، هو أقوى وسيلة لزرع الأمل.
ثانياً: الرؤية طويلة المدى. يجب أن يدرك الشباب أن التغيير البيئي ليس عملية سريعة، بل مسيرة طويلة تتطلب صبراً ومثابرة. والمشاركة في هذه المسيرة ذاتها هي مصدر للأمل، وليس فقط النتائج النهائية.
ثالثاً: العدالة البيئية. ربط القضية البيئية بقضايا العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد يمنح الشباب إحساساً بأن نضالهم البيئي هو جزء من نضال أوسع من أجل مستقبل أفضل للعراق.
رابعاً: الدعم المؤسسي. وجود مؤسسات حكومية وأكاديمية ودولية تدعم المبادرات الشبابية يعزز الثقة بأن الجهود ليست عبثية.
خامساً: الانتماء والهوية. ربط العمل البيئي بالهوية العراقية والحضارية – فبلاد الرافدين كانت مهد الزراعة والحضارة – يمنح الشباب إحساساً بأنهم ليسوا مجرد ناشطين، بل حراس لتاريخ وحضارة.
يعيش العراق أزمة بيئية غير مسبوقة، تتفاقم بسبب الجفاف والفساد وضعف الحوكمة. لكن في قلب هذه الأزمة، يقف الشباب العراقي كطاقة هائلة للتغيير. إن بناء وعي بيئي راسخ لدى الشباب يتطلب أكثر من مجرد حملات توعوية؛ إنه يتطلب تعليماً تطبيقياً، ومشاركة في صنع القرار، وتمكيناً للمبادرات المحلية، واستثماراً في الإعلام الرقمي، وربطاً بالفرص الاقتصادية، وبناء شبكات وطنية، ومواجهة للفساد بالشفافية والمساءلة.
الأمل ليس وهماً يُمنح، بل هو نتاج فعل يُمارس. وفي كل شجرة يغرسها شاب، وكل حملة توعية يطلقها، وكل مشروع مبتكر ينفذه، وكل مساءلة يطالب بها، يتجدد الأمل. إن مستقبل البيئة في العراق مرتبط بمستقبل شبابه، ومستقبل شبابه مرتبط بإيمانهم بأن التغيير ممكن – رغم كل شيء. وهذا الإيمان، في النهاية، هو الأمل الحقيقي.


