بسام البديري

ماذا لو كان بإمكاننا أن نرى ماضي الآخرين كما نرى الحاضر؟
ليس في الصور القديمة، ولا في الرسائل المحفوظة، ولا في ذاكرة شخص قد يكذب أو ينسى، بل أن نمتلك جهازًا يعيد لنا اللحظة نفسها.. ما قيل، وما فُعل، وما حدث خلف الأبواب المغلقة.
هذه هي الفكرة الغامضة التي ارتبطت بقصة (الكرونوفيزر)، الجهاز الذي ادعى الراهب الإيطالي بيلّغرينو إيرنيتي أنه يستطيع استعادة صور وأصوات من الماضي.
لكن الجهاز لم يُعرض بصورة قابلة للتحقق المستقل، ولم تُثبت ادعاءاته علميًا، كما أن أبرز الأدلة التي قُدمت حوله تعرضت لانتقادات قوية. لذلك بقي الكرونوفيزر بين الأسطورة والادعاء.
لكن ربما لا تكمن أهمية الكرونوفيزر في حقيقة وجوده. أهميته تكمن في السؤال الذي يطرحه علينا:
لماذا نريد أن نعرف ماضي الآخرين؟
فالإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بدافع المعرفة. أحيانًا يبحث عنها ليجد نقطة ضعف. يريد أن يعرف أين أخطأت، ومن أحببت، وماذا قلت، وماذا فعلت، ومن كنت قبل أن تصبح الشخص الذي يعرفه اليوم. ثم يستخدم تلك المعرفة ضدك. وهنا يصبح الماضي سلاحًا.
نحن لا نبحث عن الحقيقة دائمًا، هناك فرق بين أن تعرف الحقيقة لكي تفهم الإنسان، وأن تعرفها لكي تدمره.
الأول فعل إنساني.
والثاني قد يكون شكلًا من أشكال الانتقام.

كم من إنسان نبش في ماضي شخص آخر، لا لأنه يريد فهمه، وإنما لأنه يريد إسقاطه؟
وكم من علاقة تحولت إلى محكمة، كل طرف فيها يحتفظ بملفات الطرف الآخر؟
نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الماضي يختفي بسهولة. صورة قديمة يمكن أن تعود. رسالة يمكن أن تُستخرج. كلمة قيلت قبل سنوات يمكن أن تظهر فجأة. والخطأ الذي ظن صاحبه أنه دُفن قد يعود إلى الحياة.
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش أمام احتمال دائم. أن الماضي قد يعود في أي لحظة.
يقول فوكو: المعرفة يمكن أن تصبح سلطة. هنا يبدو فكر ميشيل فوكو شديد الصلة بالموضوع.
فوكو درس العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبيّن كيف يمكن للمراقبة والفحص والتوثيق أن تتحول إلى أدوات للسيطرة على الإنسان. فكلما ازدادت المعرفة بتفاصيل الفرد، ازدادت قدرة النظام على تصنيفه ومراقبته وضبط سلوكه.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون الكرونوفيزر أكثر من جهاز خيالي. إنه رمز للعين التي تريد أن تعرف كل شيء عنك.
ماضيك.
علاقاتك.
أخطاؤك.
ضعفك.
أسرارك.
وكلما زادت المعرفة، ازدادت إمكانية استخدامها كسلاح.
وهنا يصبح السؤال:
هل كل ما نستطيع معرفته يحق لنا معرفته؟
يقول أورويل: من يملك الماضي يملك الحاضر. في عالم جورج أورويل، لم تكن السلطة تكتفي بالسيطرة على الناس، بل كانت تحاول السيطرة على الرواية التي يتذكر بها الناس الماضي.
في كتاب (1984) يصبح التحكم في السجلات والذاكرة وسيلة للتحكم في الحقيقة نفسها. لكننا نستطيع قلب فكرة أورويل. ماذا لو لم تعد المشكلة أن السلطة تستطيع تغيير الماضي، بل أن هناك من يستطيع كشف الماضي كله؟ حينها قد لا يحتاج الإنسان إلى جهاز رقابة في كل غرفة.
يكفي أن يعرف أن هناك جهازًا يستطيع كشف حياته القديمة.
عندها سيبدأ بمراقبة نفسه. سيخاف من كل خطوة. سيسأل قبل أن يتصرف:
هل يمكن أن يظهر هذا يومًا؟ وهكذا تصبح الرقابة داخل الإنسان نفسه. هل الإنسان هو ماضيه؟ هذه هي المسألة الأكثر قسوة.
إذا أخطأ الإنسان في العشرين، فهل يجب أن يُعاقب في الأربعين؟ إذا كان متهورًا ثم نضج، هل نحاكمه على تهوره القديم؟
إذا أحب شخصًا ثم انتهت العلاقة، هل يصبح ذلك الحب دليلًا دائمًا ضده؟ إذا ارتكب خطأً واعترف به وغيّر حياته، فهل يحق لنا أن نرفض الاعتراف بأنه تغير؟
إننا نطلب من الإنسان أن يتوب، وأن يتعلم، وأن يصبح أفضل. لكننا في الوقت نفسه نحتفظ بماضيه كسكين، ونقول له: (تغيّر كما تريد، لكننا لن ننسى من كنت).
فهل نريد فعلًا إنسانًا صالحًا؟
أم نريد إنسانًا بلا ماضٍ؟
والفرق بين الاثنين كبير جدًا.
أخطر ما في الكرونوفيزر ليس أن نرى. لو ظهر الكرونوفيزر غدًا، فقد يكون بإمكانه أن يكشف قاتلًا أفلت من العدالة.
قد يكشف فسادًا.
قد يكشف جريمة مخفية.
قد ينصف بريئًا اتُّهم ظلمًا.
وهذا يبدو رائعًا.
لكن ماذا لو استخدمه شخص ليرى الحياة الخاصة لإنسان لم يرتكب جريمة؟
ماذا لو أراد رجل أن يعرف كل شيء عن ماضي زوجته؟
أو أرادت امرأة أن تعرف كل تفاصيل حياة زوجها قبل أن تلتقيه؟
أو أراد سياسي أن يعرف أسرار خصمه؟
أو أراد شخص عادي أن يبحث عن لحظة ضعف في إنسان يكرهه؟
عندها لن يكون الكرونوفيزر جهازًا لتحقيق العدالة.
سيكون آلة لصناعة الابتزاز.
ماضيك ليس ملكًا لمن يعرفه، ربما علينا أن نعيد تعريف الخصوصية.
فالخصوصية ليست فقط أن لا يدخل شخص إلى غرفتك. الخصوصية أيضًا أن يكون لك حق في أن تحتفظ ببعض نسخك القديمة بعيدًا عن عيون الآخرين.
كل إنسان يحمل داخله أشخاصًا كثيرين. طفلًا كان ذات يوم. شابًا أخطأ.
عاشقًا.
غاضبًا.
ضعيفًا.
حالمًا.
ومع مرور السنوات يموت بعض هؤلاء الأشخاص داخلنا، ويولد آخرون.
فلماذا نصر على استدعاء الموتى؟
لماذا نريد أن نحاكم إنسان اليوم على شخصية لم يعد هو نفسه؟
إن أخطر ظلم يمكن أن نرتكبه بحق الإنسان هو أن نمنعه من التغير.
الحقيقة ليست دائمًا فضيلة. نحن نحب أن نقول إن الحقيقة فضيلة.
نعم، الحقيقة ضرورية للعدالة. لكن الحقيقة من دون أخلاق قد تتحول إلى أداة تدمير.
الطبيب يعرف أسرارك، لكنه لا يملك حق نشرها. المحامي يعرف اعترافات موكله، لكنه لا يستطيع تحويلها إلى فضيحة. القاضي يعرف تفاصيل حياة المتهم، لكنه لا يحاكمه على كل عيب شخصي لا علاقة له بالجريمة.
إذن، ليست القضية في معرفة الحقيقة فقط. القضية في:
ماذا سنفعل بها؟
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يخيفنا.
ربما أصبحنا نملك كرونوفيزر بالفعل. قد لا نحتاج إلى آلة غامضة في أحد أقبية الفاتيكان.
ربما صنعنا كرونوفيزر خاصًا بنا.
إنه الهاتف.
الكاميرا.
الإنترنت.
وسائل التواصل.
الأرشيف الرقمي.
نحن نعيش وسط آلات تحفظ الماضي بصورة لم يعرفها الإنسان من قبل. لكن المشكلة أن هذه الآلات لا تحفظ الماضي فقط. إنها تجعل الماضي قابلًا للاستدعاء. وهذا فرق خطير.
في الماضي، كان الإنسان يستطيع أن يبتعد عن مدينته، فيبدأ حياة جديدة. أما اليوم، فقد يهرب الإنسان إلى آخر العالم، لكن صورة واحدة قد تلحق به.
لقد أصبح الماضي أكثر قدرة على المطاردة. ماذا لو كان النسيان رحمة؟
ربما نحتاج إلى النسيان أكثر مما نحتاج إلى المعرفة. ليس نسيان الجرائم التي تستحق العدالة. ولا نسيان حقوق الضحايا. بل نسيان الأشياء التي لا تمنحنا معرفتها حقًا في تدمير الآخرين.
فالإنسان لا يستطيع أن يعيش إذا ظل كل يوم واقفًا أمام أسوأ لحظاته. نحن بحاجة إلى ذاكرة، نعم. لكننا بحاجة أيضًا إلى الرحمة. وإلى فرصة ثانية. وإلى الاعتراف بأن الإنسان ليس صورة ثابتة التقطت في لحظة سيئة من حياته.
(السؤال الخطير) هل يمكننا رؤية الماضي؟ هل يحق لنا أن نراه؟
ولو كانت الإجابة نعم، فالسؤال الذي يليها أخطر:
ومن يملك الحق في استخدام ما رأيناه؟
لأن امتلاك الحقيقة لا يعني امتلاك صاحبها. ومعرفة السر لا تمنحنا حق ابتزاز صاحبه. ورؤية الماضي لا تجعلنا قضاة على كل من عاش فيه. ربما الإنسان يحتاج إلى ماضٍ لا يستطيع الآخرون فتحه متى شاؤوا. وربما أعظم حرية يمكن أن يمتلكها الإنسان ليست أن يقول ما يريد فقط، وإنما أن يعرف أن بعض الأشياء التي فعلها منذ سنوات يمكن أن تبقى مدفونة.
ليس لأن الماضي لا يهم. بل لأن الإنسان يتغير.
ولهذا فإن أخطر سؤال يطرحه الكرونوفيزر ليس:
ماذا فعلت في الماضي؟
بل: هل ستسمح لي بأن أكون شخصًا آخر اليوم؟
فإذا كان الجواب لا، فإننا لم نعد نعيش في مجتمع يحاسب الإنسان على أفعاله. بل في مجتمع يحكم عليه بالسجن المؤبد داخل ماضيه.


