
قراءة نقدية للأديب سعد الساعدي حول نص الشاعر علي الوائلي
سعد الساعدي
في ومضة الشاعر علي الوائلي، نجد أنفسنا أمام نصٍّ يختزل الزمن ويعلو فوقه، كأنه يرسم لوحةً وجوديةً بلمساتٍ خفيفة، لكنها تخترق الأعماق. الومضة قصيرة في كلماتها، لكنها طويلة في مداها، كأنها نبضة قلبٍ تتردد في فراغ الوجود، أو كأنها لحظةٌ تسرقنا من زحمة الحياة لتضعنا في حضرة الخلود.
النص:
لا أعلم كم سأبقى على هذه الأرض،
ولا يشغلني ذلك،
فكل الأزمنة تفقد معناها
حين أجدني بين ذراعيك،
حيث يبدأ الخلود.
……..
“لا أعلم كم سأبقى على هذه الأرض، ولا يشغلني ذلك”، بهذه العبارة يبدأ الشاعر رحلته الوجودية، وكأنه يعلن تحرره من سطوة الزمن. إنه لا يهتم بالكمّ، بل بالكيف. لا يهمه عدد الأيام التي سيعيشها، بل ما يهمه هو كيف يعيشها. هنا، يتحول الزمن من سجنٍ إلى هامشٍ عابر، وكأن الشاعر يقول لنا: ما قيمة الزمن إن لم نعشه بكلِّ جوارحنا؟
ثم تأتي الإنتقالة المثيرة: “فكل الأزمنة تفقد معناها حين أجدني بين ذراعيك”. هنا، يتحول الحب إلى فضاءٍ يتجاوز الزمن، إلى ملاذٍ يلغي كلَّ قيود الوجود. الحب هنا ليس مجرد شعورٍ عابر، بل هو حالةٌ وجوديةٌ تمنح الحياة معناها. الزمن يفقد سلطته، وكأنه يتلاشى في حضرة هذا اللقاء. الحب يصبح هو الزمن الحقيقي، هو الخلود بعينه.
“حيث يبدأ الخلود”، هذه الكلمات تُغلّف النصَّ بهالةٍ من الأسرار. الخلود ليس مكانًا بعيدًا، ولا زمانًا لا نهائيًا، بل هو لحظةٌ نعيشها هنا والآن، بين ذراعي الحبيب. إنه ما نصنعه بأنفسنا، بلحظاتٍ نختلسها من برودة الزمن ونمنحها دفء الأبدية.
الومضة، بهذا المعنى، هي رحلةٌ من الزمن إلى اللازمن، من الفاني إلى الباقي. الشاعر لا يكتب عن الحب فحسب، بل يكتب عن الحياة بكلِّ تناقضاتها، عن لحظاتٍ نعيشها وكأنها أبدية، وعن أزمنةٍ ننساها لأننا نعيش شيئًا أكبر منها. إنها قصيدةٌ عن الخلود الذي نصنعه بأنفسنا، في حضرة من نحب.
في الومضة، نجد أنفسنا أمام نصٍّ يختزل الزمن ويعلو فوقه، كأنه يرسم لوحةً وجوديةً بلمساتٍ خفيفة، لكنها تخترق الأعماق. الومضة قصيرة في كلماتها، لكنها طويلة في مداها، كأنها نبضة قلبٍ تتردد في فراغ الوجود، أو كأنها لحظةٌ تسرقنا من زحمة الحياة لتضعنا في حضرة الخلود.
في ومضة الشاعر علي الوائلي، يمكننا أن نلمح خيوطًا من التناصّ تنسج خلفية النصِّ ببراعة، كأنها ظلالٌ خفيةٌ تعزّز عمقه وتفتح أبوابًا لتأويلاتٍ أوسع. التناصُّ هنا ليس مباشرًا، بل هو أشبه بصوتٍ بعيدٍ يتردد في أرجاء النص، يُضفي عليه بعدًا آخر، ويجعله يحاور نصوصًا سابقةً دون أن يصرّح بها.
عندما يقول: “كل الأزمنة تفقد معناها حين أجدني بين ذراعيك”، نسمع صدىً لفكرة الحبِّ الذي يتجاوز الزمن، وهي فكرةٌ ترددت في أدب الحبِّ العذري والصوفي. ففي الشعر العربي القديم، كان الحبُّ يُصوَّر أحيانًا كقوةٍ تتحدى الموت والزمن، كما في قصائد مجنون ليلى، حيث الحبُّ يعلو فوق كلِّ شيء. وفي الشعر الصوفي، كان الحبُّ الإلهي يُصوَّر كطريقٍ إلى الخلود، حيث يذوب العاشق في المحبوب، ويتحرر من قيود الزمن. هنا، يبدو أن الشاعر يحاور هذه التقاليد الأدبية، لكنه يعيد صياغتها بلغةٍ معاصرةٍ تلامس القلب مباشرة.
في “حيث يبدأ الخلود”، فإنها تحمل في طياتها إشارةً إلى فكرة الخلود في الأدب العالمي. في الأساطير القديمة، كان الخلود يُصوَّر كمكانٍ بعيدٍ أو كهديةٍ من الآلهة، لكن الشاعر يقلب هذه الفكرة رأسًا على عقب. الخلود عنده ليس مكانًا أو زمانًا، بل هو لحظةٌ نعيشها في الحاضر، في حضرة الحبيب. هذه الفكرة تذكرنا ببعض النصوص الرومانسية التي ترى في الحبِّ خلاصًا من فناء الجسد، كما في قصائد الشاعر الإنجليزي جون كيتس، الذي رأى في الحبِّ والفنِّ طريقًا إلى الأبدية.
إذن، التناصُّ في هذه الومضة ليس مجرد اقتباسٍ مباشر، بل هو حوارٌ خفيٌّ مع تقاليد أدبية وفلسفية سابقة. الشاعر يستلهم هذه الأفكار، لكنه يعيد تشكيلها بطريقةٍ تجعلها تنبض بالحياة، وكأنه يقول لنا: “الحبُّ هو الخلود، وهو هنا، بين أيدينا، في اللحظة التي نعيشها”. إنه نصٌّ يحمل في طياته أصداءً من الماضي، لكنه يتحدث بلغة الحاضر، لغة القلب الذي لا يعرف زمنًا.


