
فرميِسك وهاب
يفقد معرض الكتاب معناه الحقيقي عندما يتحول الكتاب إلى مجرد أداة لإعادة إنتاج الأفكار القديمة، التي لا تقدم إجابات عن أسئلة اليوم فحسب، بل تتحول أحيانًا هي نفسها إلى عائق أمام طرح الأسئلة والتفكير.
ينبغي أن يكون معرض الكتاب نافذةً إلى العالم؛ نافذةً على الفلسفة، والعلم، والتاريخ، والأدب، والفن، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وحقوق الإنسان، والبيئة، والتكنولوجيا، وكل القضايا التي يعيش معها إنسان هذا العصر.
ينبغي للكتاب أن يصنع الأسئلة، لا أن يضع أمام القارئ إجابات جاهزة فحسب.
ينبغي أن يقول القارئ بعد إغلاق الكتاب:
«الآن لدي سؤال جديد.»
لا أن يقول فقط:
«الآن عرفتُ ما الذي ينبغي أن أؤمن به.»
ليست المشكلة في قراءة الكتب الدينية أو التاريخية أو القديمة. على العكس، إن قراءة التاريخ والنصوص القديمة أمر بالغ الأهمية؛ لأن فهم الحاضر يصبح صعبًا من دون فهم الماضي.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين قراءة الماضي من أجل فهمه، وقراءة الماضي من أجل فرضه على الحاضر.
فإذا كانت مئات الكتب لا تزال تجعل جزءًا كبيرًا من موضوعاتها الأساسية يدور حول كيفية الوضوء، وكيف ينبغي للمرأة أن تعيش، وما حقوقها وواجباتها، أو كيف ينبغي للإنسان أن يتعامل مع جسده وحياته، فمن الطبيعي أن يطرح المرء سؤالًا:
هل ننتج الكتب من أجل مجتمع اليوم، أم نحاول إعادة مجتمع اليوم إلى قرون مضت؟
هذا ليس عداءً للدين.
وليس عداءً لإيمان الفرد.
وليس حتى عداءً لقراءة النصوص المقدسة.
بل هو سؤال حول ما إذا كان كل فكر قديم، لمجرد قِدَمه أو قداسته، ينبغي أن يصبح أساسًا لحياة مجتمع اليوم.
عندما نقرأ نصًا دينيًا أو تاريخيًا، ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار التاريخ والمجتمع واللغة والظروف التي سادَت في ذلك العصر. وينبغي أن يكون للقارئ الحق في أن يسأل، وينتقد، ويرفض، ويوافق أو لا يوافق.
لأن القراءة الحرة، من دون حرية التفكير، لا تملك معناها الكامل.
إن المجتمع الذي يمتلك الكثير من المكتبات ومعارض الكتب لا يصبح مجتمعًا مستنيرًا بمجرد عدد الكتب الموجودة فيه. السؤال الأساسي هو:
أي نوع من البشر تصنع هذه الكتب؟
هل تصنع إنسانًا حرًا ومتسائلًا؟
إنسانًا محبًا للعلم وناقدًا؟
إنسانًا محبًا للإنسان ومتسامحًا؟
أم تصنع إنسانًا خائفًا، مطيعًا، بعيدًا عن كل فكرة مختلفة؟
يمكن للكتاب أن ينير الإنسان، لكنه يمكن أيضًا، بطريقة أخرى، أن يتحول إلى أداة لإنتاج الخوف والخضوع. وكل شيء يرتبط بالمحتوى، وبطريقة القراءة، وبنمط التفكير الذي يقف وراء عملية القراءة.
إذا علّم الكتاب الإنسان أن كل من يفكر بطريقة مختلفة هو عدو، فإن هذا الكتاب ليس في خدمة العلم.
وإذا علّم الكتاب الإنسان الكراهية والتطرف والقسوة والطاعة العمياء، فإن المشكلة لا تكمن في الكتاب وحده، بل في منظومة التفكير التي تقرأ هذا الكتاب.
كما أن للفن والموسيقى والأدب والفلسفة حاجة إلى مساحة خاصة في معرض الكتاب؛ لأن المجتمع الذي يُربّى فقط على القوانين والأحكام وما «يجب» وما «لا يجب»، بينما لا يترك مساحة كافية للخيال والجمال والسؤال وحرية الروح، لا يستطيع بصورة كاملة أن يصنع مجتمعًا حيًا ومبدعًا.
فالإنسان لا يعيش بالخبز والقوانين وحدهما؛
بل يعيش بالخيال، والسؤال، والفن، والعلم، والحرية والأمل.
ولهذا، ينبغي أن يكون معرض الكتاب الحقيقي ساحةً لتلاقي وصراع الأفكار، لا مكانًا لفرض فكرة واحدة فقط.
ينبغي أن يكون ماركس وابن رشد، ونيتشه والفارابي، والخيام وسعدي ونالي وشيركو، وعلم النفس والعلوم الحديثة، والأدب العالمي والأدب المحلي، والفلسفة والتاريخ، والفن والعلم، والدين والنقد الديني، قادرين على أن يكونوا جميعًا في مكان واحد.
لأن التفكير في المجتمع الحر لا ينبغي أن يكون حارسًا للحدود؛ بل ينبغي أن يختبر هذه الحدود.
إن معرض الكتاب الحقيقي لا ينبغي أن يخاف من الكتاب المختلف، ولا من الفكرة المختلفة، ولا من الفلسفة المختلفة، ولا حتى من النقد الحاد.
لأن الفكرة القوية لا تخاف من الأسئلة.
في النهاية، معرض الكتاب ليس مجرد مكان لبيع الكتب وشرائها؛ بل هو مكان لصناعة الإنسان.
إذا كانت المكتبة نافذةً إلى العالم، فإن الإنسان يرى العالم من خلالها.
لكن إذا تحول معرض الكتاب إلى مكان لتكرار الأفكار القديمة نفسها، وتقييد الأسئلة والنقد، فإنه بدلًا من أن يكون نافذةً إلى العالم، يصبح جدارًا أمام التفكير.
ويبقى السؤال الأخير:
هل نريد لمعرض الكتاب أن يصنع إنسانًا حرًا ومفكرًا، أم إنسانًا مطيعًا ومكررًا؟
لأن مهمة الكتاب ليست مجرد ملء الرفوف؛
بل مهمة الكتاب أن يوسّع أفق الإنسان.


