- فكر ودراسات

راشيتة وطن

هناء خطاب هناك خطابٌ يُكتب كل يوم، لكنه لا يُقرأ في المكاتب، ولا يصل إلى أصحاب القرار، ولا يُعلّق على جدران المؤسسات. إنه خطاب المواطن؛ ذلك المواطن الذي يحمل في يده راشيتة طويلة من الأوجاع، تتوزع فيها جرعات من الغلاء، وحبوب من الخوف، ووصفة لا يدفع ثمنها إلا هو. لم تعد معاناة المواطن تقتصر على […]

هناء خطاب

هناك خطابٌ يُكتب كل يوم، لكنه لا يُقرأ في المكاتب، ولا يصل إلى أصحاب القرار، ولا يُعلّق على جدران المؤسسات. إنه خطاب المواطن؛ ذلك المواطن الذي يحمل في يده راشيتة طويلة من الأوجاع، تتوزع فيها جرعات من الغلاء، وحبوب من الخوف، ووصفة لا يدفع ثمنها إلا هو.

لم تعد معاناة المواطن تقتصر على ارتفاع الأسعار أو البطالة أو تراجع مستوى الخدمات، بل أُضيف إليها دواء مفقود اسمه الأمان. وكأن هذه الراشيتة الوطنية أصبحت أكثر ازدحامًا بالأمراض، بينما تقلّ الأدوية القادرة على علاجها.

فالغلاء لم يعد مجرد أرقام ترتفع في الأسواق، بل أصبح قلقًا يسكن البيوت، ويجعل المواطن يعيد حساباته قبل أن يشتري أبسط احتياجاته. والبطالة لم تعد مجرد غياب وظيفة، بل أصبحت أحلامًا مؤجلة، وشبابًا ينظرون إلى المستقبل بعينٍ يختلط فيها الطموح بالخوف من المجهول.

أما الخدمات، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى انتظار طويل. ينتظر المواطن خدمةً لا تأتي، ومعاملةً تتأخر، وحلًا لمشكلةٍ أصبحت جزءًا من حياته اليومية. ومع تكرار الانتظار، يتحول الأمر من مشكلة عابرة إلى شعور دائم بأن أبسط حقوق الإنسان تحتاج إلى معركة طويلة للحصول عليها.

لكن وسط كل ذلك، يبقى الأمان هو الدواء الأكثر أهمية، والأشد فقدانًا عندما يتراجع.

فكما فقدنا علاج كثيرٍ من الأمراض المستعصية، أخذنا نفقد الأمان تدريجيًا؛ لا دفعة واحدة، بل على جرعات موجعة. أصبح الخوف يتسلل إلى البيوت، والقلق يرافق الآباء على أبنائهم، وصار المواطن يحمل همّ يومه قبل أن يعيشه، ويتساءل عن الغد قبل أن ينتهي اليوم.

إن أخطر ما يمكن أن يخسره الوطن ليس المال ولا المشاريع، بل شعور الإنسان بأنه آمن في بيته، وفي طريقه، وفي مكان عمله.

فالأمان ليس ترفًا، وليس امتيازًا تمنحه الظروف لبعض الناس وتحجبه عن آخرين. الأمان حق أساسي، وبدونه تصبح بقية الحقوق ناقصة مهما بدت جميلة على الورق.

وحين يصبح الأمان أمنية، تتحول الحياة كلها إلى انتظار طويل. ينتظر الأب عودة ابنه، وتنتظر الأم أن يمر يومها بسلام، وينتظر الشاب فرصةً تمنحه مستقبلًا، وينتظر المواطن وطنًا يشعر فيه بأنه ليس مجرد رقم في طابور طويل من المطالب المؤجلة.

الوطن لا يُقاس فقط بعدد المشاريع التي تُنجز، ولا بحجم الأموال التي تُصرف، ولا بعدد الأبنية التي ترتفع. الوطن الحقيقي هو ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يقول: أنا بخير هنا، وأنا آمن هنا، ولي مستقبل هنا.

وعندما يتراجع هذا الشعور، تبدأ المسافة بين المواطن ووطنه بالاتساع، حتى لو بقي المواطن واقفًا في المكان نفسه.

وهكذا تكتمل راشيتة الوطن: غلاءٌ يرهق الجيوب، وبطالةٌ تقتل الأحلام، وخدماتٌ تتراجع، وأمانٌ يتآكل بصمت.

إنها وصفةٌ طويلة من المعاناة، يدفع ثمنها المواطن وحده، بينما لا يزال ينتظر اليوم الذي تُكتب له فيه وصفة مختلفة؛ وصفة لا تحتاج إلى صيدلية، ولا إلى حبوب ومسكنات، بل إلى إرادة حقيقية، يكون دواؤها العدالة والكرامة والأمان.

فالوطن الذي يريد لمواطنيه أن يبقوا فيه، لا يكفي أن يطلب منهم الصبر؛ عليه أن يمنحهم سببًا يجعلهم يؤمنون بأن الغد سيكون أفضل.

وحينها فقط، يمكن أن تتغير الراشيتة.

من راشيتةٍ تحمل الغلاء والخوف والبطالة والانتظار، إلى راشيتة وطنٍ يُكتب فيها: حق، وكرامة، وعدالة، وأمان.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026