
لمى النقاش
استوقفتني هذه الجملة في فيلم شاهدته مؤخراً بعنوان (Don’t say good luck)، لكنني منذ سمعتها لم أستطع أن أتركها تمر كجملة عابرة في حوار سينمائي، قالتها فتاة مراهقة لوالدتها المريضة بالسرطان، وربما كان من الممكن أن تُقال بطريقة أخرى؛ «أنا آسفة لأنكِ مريضة»، أو «أنا خائفة من أن أفقدكِ»، أو حتى «أتمنى أن تشفي»، لكن الفتاة اختارت شيئاً أكثر عمقاً وإيلاماً: أن تعتذر لأمها لأنها لم تجد في حياتها ما ينيرها.
توقفت عند كلمة «ينير»، فالإنسان لا يبحث دائماً عن السعادة كما نتخيل، أحياناً يبحث عن شيء أصغر وأعمق منها؛ شيء يجعله يستيقظ وفي داخله رغبة في أن يكمل يوماً آخر، أن يكتب صفحة أخرى، أن يحب، أن ينتظر، أن يحلم، أو حتى أن يبدأ من جديد بعد أن ظن أنه انتهى.
هناك فرق بين أن تكون الحياة ممتلئة، وبين أن تكون مضيئة، قد يمتلئ يوم الإنسان بالعمل والناس والمسؤوليات والنجاحات، ومع ذلك يشعر في داخله بعتمة لا يعرف كيف يصفها، وقد يعيش شخص آخر حياة بسيطة، لا تخلو من الخسارات، لكنه يحمل في داخله شيئاً غامضاً يجعله قادر على النظر إلى الغد وكأنه يحمل احتمالاً جديد.
فما الذي ينير حياتنا إذن؟ هل هو شخص نحبه؟ حلم نطارده؟ نجاح ننتظره؟ مكان نشعر فيه أننا ننتمي؟ أم أن النور شيء آخر تماماً؟
ربما قضينا وقتاً طويلا نبحث عن النور خارجنا، معتقدين أن الحياة ستصبح أجمل عندما يأتي الشخص المناسب، أو تتحقق الأمنية، أو نحصل على العمل الذي نحلم به، أو نصل إلى المكان الذي طالما تخيلناه، لكن ماذا لو لم يكن الأمر كذلك؟
ماذا لو كان بعض الناس يحملون قدرة غريبة على خلق النور من الداخل؟
أعرف أشخاصاً إذا خذلتهم الحياة، صنعوا لأنفسهم حلماً جديداً، وإذا انتهى طريق، فتحوا طريقاً آخر، وإذا انطفأت في داخلهم رغبة، بحثوا عن شيء آخر يشعلها، ليس لأنهم لم يتألموا، ولا لأنهم أكثر حظاً من غيرهم، وإنما لأن في داخلهم طاقة لا تسمح للعتمة بأن تصبح إقامتهم الدائمة، وأحياناً أجد نفسي واحدة من هؤلاء، لا أعرف من أين تأتي تلك الطاقة التي تجعلني أعود إلى الشغف كلما ظننت أنني استنفذته، لا أعرف كيف أستطيع بعد التعب أن أجد فكرة جديدة، وبعد الخيبة أن أجد احتمالاً آخر، وبعد نهاية شيء أن أتحمس لبداية شيء جديد.
ربما هو التفاؤل، وربما هو شيء أعمق من التفاؤل، ربما هو إيمان غامض بأن الحياة مهما بدت ثقيلة في لحظة ما، إلا أنها لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.
ومن المصادفات الجميلة أنني في اليوم الذي بقيت فيه تلك الجملة تدور في رأسي، تذكرت تاريخ ميلادي، عندما تُجمع أرقام تاريخ ميلادي، يكون الناتج 11، وبعيداً عن كون علم الأرقام علماً مثبتاً أو حقيقة يمكن بناء الحياة عليها، أو مجرد نظريات، أحببت أن أتعامل مع الأمر بوصفه صدفة رمزية جميلة، فالرقم 11 في بعض مدارس علم الأرقام يُعد من «الأرقام الرئيسية»، ويرتبط رمزياً بالإلهام والحدس والرؤية الداخلية.
ابتسمت ليس لأنني وجدت تفسيراً غيبياً لنفسي، وإنما لأن الصدفة جاءت في اللحظة التي كنت أفكر فيها بالنور، وربما لا نحتاج أصلاً إلى تفسير كل الصدف الجميلة، فبعضها يكفي أن يوقظ فينا سؤالاً.
وسؤالي كان: ماذا لو لم يكن علينا أن نجد شيئاً ينير حياتنا؟ ماذا لو كانت مهمتنا أن نكتشف النور الموجود فينا أصلاً؟
فربما هناك أشخاص لا يحتاجون إلى مصباح خارجي كي يكملوا الطريق، يكفيهم أن يتذكروا أنهم في أكثر أيامهم عتمة، ما زالوا قادرين على إشعال شيء صغير داخلهم: فكرة، حلم، كتاب، حب، موعداً مؤجل، أمنية لم تتحقق بعد، أو حتى مجرد إيمان بأن الغد يمكن أن يكون مختلفاً.
لهذا حين أتذكر جملة تلك الفتاة، لم أعد أراها فقط بوصفها جملة حزينة قيلت لأم مريضة، بل أراها سؤالاً لنا جميعاً:
ماذا لو جاء يوم ولم نجد شيئاً ينير حياتنا؟
ربما عندها لا نحتاج إلى أن نبحث بعيداً، ربما نحتاج فقط إلى أن نلتفت إلى الداخل. وربما… لم يكن علينا أن نبحث طويلاً عمّا ينير حياتنا، لأن النور طوال الوقت كان نحن.


