
حوراء الكناني
في العراق، حيث للكلمة تاريخٌ طويل، وحيث وُلدت الكتابة على ألواح الطين قبل أن تُكتب على الورق، لا تبدو الكتابة فعلاً عابراً أو هوايةً عابرة. إنها امتدادٌ لذاكرة بلدٍ اعتاد أن يحفظ وجعه بالحروف، وأن يحوّل الخسارات إلى قصائد، والأسئلة إلى كتب، والصمت إلى لغة.
لكن ماذا يحدث حين تكون اليد التي تمسك القلم امرأة؟
تجد الكاتبة العراقية نفسها أحياناً أمام معركة لا تتعلق بقدرتها على الكتابة، بل بحقها في أن تكتب أصلاً. فقبل أن تصل كلماتها إلى القارئ، قد تصطدم بجدار من الأسئلة والانتقادات: ماذا تكتب؟ لماذا تكتب؟ هل يليق بها أن تتحدث بهذه الجرأة؟ وهل ينبغي للمرأة أن تقول ما تفكر به بصوتٍ مرتفع؟
وهكذا، لا يصبح القلم بالنسبة إليها مجرد أداة للتعبير، بل يصبح موقفاً.
الكاتبة العراقية لا تكتب في فراغ. إنها تكتب وسط مجتمع تتداخل فيه التقاليد مع الحداثة، وتتجاور فيه الرغبة في التغيير مع الخوف منه. وبين هذين الطرفين، تحاول أن تصنع لنفسها مساحة تقول فيها: “أنا أيضاً لديّ ما يستحق أن يُسمع.”
ولعل أصعب ما تواجهه الكاتبة ليس النقد ذاته؛ فالنقد يمكن أن يكون جسراً للتطور حين يكون عادلاً وواعياً. إنما المشكلة في ذلك النوع من الانتقاد الذي لا يناقش النص، بل يحاكم صاحبته. نقدٌ لا يسأل: ماذا أرادت أن تقول؟ بل يسأل: من سمح لها أن تقول؟
هناك فرقٌ شاسع بين أن تُناقش الكاتبة لأنها أخطأت في فكرة أو أسلوب، وبين أن تُهاجم لأنها امرأة اختارت أن يكون لها صوت. في الحالة الأولى، يكون الأدب هو محور الحوار؛ أما في الثانية، فتتحول هوية الكاتبة إلى تهمة، ويصبح حضورها ذاته سبباً للاعتراض.
ورغم ذلك، لم تتوقف النساء العراقيات عن الكتابة.
كل جيلٍ يأتي حاملاً معه أصواتاً جديدة، ونساءً يرفضن أن يكنّ مجرد شخصيات صامتة في حكايات الآخرين. يكتبن عن الحب والخوف والحرب والوطن والخذلان والأمومة والحرية، ويكتبن أيضاً عن أنفسهن؛ عن أحلامهن الصغيرة والكبيرة، وعن الأسئلة التي لم يجدن لها مكاناً في الكلام اليومي.
إنها لا تحاول دائماً أن تغيّر العالم بكتابٍ واحد، لكنها تحاول أن تغيّر شيئاً في القارئ.
فالكتابة في جوهرها ليست صراخاً في وجه المجتمع، وإنما حوارٌ طويل معه.
وربما لهذا السبب تحتاج الكاتبة العراقية إلى شجاعة مضاعفة؛ شجاعة أن تكتب، وشجاعة أكبر أن تستمر بعد أن تسمع الأصوات التي تطلب منها الصمت.
لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس: لماذا تكتب المرأة العراقية؟
بل: لماذا نخاف من صوتها؟
لماذا نرى في قلمها تهديداً حين يكون القلم نفسه وسيلةً للفهم؟ لماذا نضع حدوداً للكلمات قبل أن نقرأها؟ ولماذا نطلب من المرأة أن تكون صامتة في مجتمعٍ يحتاج إلى كل صوتٍ قادر على أن يضيف فكرةً جديدة؟
إن العراق الذي أنجب أولى صفحات التاريخ المكتوب، يستحق أن يكون فيه للمرأة مكانٌ كامل على صفحات الحاضر والمستقبل.
والكاتبة العراقية لا تطلب امتيازاً لأنها امرأة، ولا تبحث عن تصفيقٍ دائم. إنها تطلب فقط أن تُقرأ باعتبارها كاتبة. أن يُناقش نصها بعيداً عن جنسها، وأن تُحاسب على جودة فكرتها لا على جرأة وجودها.
فالانتقاد لا ينبغي أن يكون حجراً يُرمى على المبدع، بل مرآةً تساعده على رؤية ما لم يره.
أما الأصوات التي تريد إسكات الكاتبة، فربما لا تدرك أنها، في محاولتها إسكات صوتٍ واحد، تمنع مجتمعاً كاملاً من سماع قصة كان يمكن أن تغيّر شيئاً فيه.
لهذا ستستمر الكاتبة العراقية في الكتابة.
ستكتب حين يصفق لها الآخرون، وستكتب حين يعترضون. ستكتب حين يكون الطريق سهلاً، وحين يصبح ثقيلاً. ستكتب لأنها تعرف أن الصمت قد يحمي الإنسان أحياناً، لكنه لا يصنع أثراً.
وفي النهاية، قد يعلو ضجيج الانتقاد، وقد تتعدد الأصوات التي تحاول أن تقول لها: توقفي.
لكن القلم الذي يعرف لماذا يكتب، لا يخاف من الضجيج.
لأن الكاتبة حين تضع الحبر على الورق، لا تكتب لنفسها وحدها؛ إنها تترك نافذةً مفتوحة لامرأةٍ أخرى قد تأتي بعدها، فتجد أن الطريق الذي كان مليئاً بالأصوات المعترضة أصبح أوسع قليلاً.
وربما يكون أعظم انتصار للكاتبة العراقية ليس أن تُسكت منتقديها، بل أن تجعل صوتها أقوى من ضجيجهم.
فحين تبقى الكلمة، يذهب الضجيج.


