
مازن عبد السلام
في إحدى الحملات التطوعية التي شاركتُ فيها مع فريق فيتامين ضمن حملة «عاشوراء رسالة» داخل مستشفى الأمراض النفسية، والتي خُصِّصت لتقديم الطعام والملابس، اكتشفت حقيقة لم أكن أتوقعها؛ فهؤلاء المرضى ليسوا بحاجة إلى الطعام والملابس بقدر حاجتهم إلى الحب والاحتواء.
دخلتُ الردهات وأنا أظن أنني مستعد لما سأراه، لكن الواقع كان أقسى من كل تصور. خذلتني الكلمات، ولم أجد ما أعبّر به عن حجم الألم الذي رأيته، فلم يكن أمامي سوى البكاء وأنا أشاهد معاناة المرضى وظروفهم الإنسانية الصعبة في أماكن لا تليق بكرامة الإنسان.
وكان أكثر ما أثار وجعي ذلك التناقض المؤلم بين ما تمتلكه بلادنا من ثروات هائلة، وفي مقدمتها النفط، وما يُنفق من مليارات، وبين ما يعانيه هؤلاء المرضى من نقصٍ في أبسط مقومات الرعاية والعيش الكريم.
بدافع الفضول والإنسانية، تحدثتُ مع مسؤولي الردهات عن أوضاع المرضى، فجاءني جوابهم أشد إيلامًا من المشهد نفسه. أوضحوا أن الموجودين في المستشفى ليسوا جميعًا مرضى نفسيين؛ فمن بينهم كبار في السن تخلى عنهم ذووهم، ولم يجدوا مأوى يأويهم سوى هذا المكان، ومن بينهم من دفعته الظروف الأسرية القاسية والبيئة المحيطة إلى الإصابة بالاضطرابات النفسية، حتى أصبح المستشفى الملاذ الأخير لهم.
حينها أدركت أن كثيرًا من هذه المآسي لا تبدأ داخل المستشفى، بل تبدأ داخل الأسرة. فالطفل الذي ينشأ في بيئة مضطربة، أو يعيش الإهمال والعنف وسوء التربية، قد يحمل آثار ذلك معه حتى آخر عمره. إن الطفل مرآة والديه؛ يعكس أخلاقهما وسلوكهما وطريقة تعاملهما مع الحياة.
ولهذا، فإن تربية النفس يجب أن تسبق تربية الأبناء. فمن الواجب أن يعتني الإنسان بصحته النفسية ويعالج ما يحمله من جراح وعقد قبل أن يؤسس أسرة، حتى لا تتحول تلك الجراح إلى ميراث ينتقل من الآباء إلى الأبناء. فالأبناء يتعلمون مما يرونه في آبائهم أكثر مما يسمعونه منهم، وبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وبإهمالها تتسع دائرة الألم جيلاً بعد جيل.


