
أنغام ابراهيم
تُعدُّ البيئة النظيفة حجر الزاوية في أي مجتمع يسعى إلى الازدهار، فهي ليست مجرد فضاء طبيعي نعيش فيه، بل نظام حيوي متكامل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصحة العامة والتنمية المستدامة. وإن الوعي البيئي لم يعد رفاهية، بل ضرورة ملحة تفرضها تحديات العصر، فبقدر ما يحافظ المجتمع على بيئته، يحافظ على مستقبل أجياله. ففي ظل مناخ نظيف، تتحسن المؤشرات الصحية وينتعش الاقتصاد، بينما تؤدي البيئة الملوثة إلى تآكل جودة الحياة وتهديد وجود الإنسان ذاته.
لقد كان العراق في حقبٍ سابقة نموذجاً للبيئة الخضراء، حيث كانت أشجار النخيل تغطي ربوعه بما يزيد عن ثلاثين مليون نخلة، جعلته واحداً من أهم مصدري التمور في العالم. وقد ساعد توفر المياه العذبة وخصوبة التربة على تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من المحاصيل الزراعية، كالأرز والطماطم والفواكه، بل وفائض يُصدَّر إلى الأسواق العالمية. لكن المؤسف أن السياسات الحكومية المتعاقبة، وبخاصة في العقدين الأخيرين، أسهمت في تحويل تلك الجنان إلى أراضٍ جرداء، واستحواذ السلطة على أغلب الأراضي الزراعية وتحويلها إلى مجمعات سكنية عشوائية، الأمر الذي قلب المعادلة البيئية رأساً على عقب.
من أبرز الظواهر التي تفشت بعد عام 2003، الاعتماد شبه الكلي على المولدات الأهلية كبديل للكهرباء الوطنية. ورغم كونها حلاً مؤقتاً، إلا أنها تحمل في طياتها أخطاراً جسيمة؛ إذ تنبعث منها غازات سامة وأبخرة محملة بمعادن ثقيلة كـ الرصاص، الذي يعدّ سبباً رئيسياً في ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية وأمراض الجهاز التنفسي، وعلى رأسها الربو. ولم تقتصر الكارثة على البالغين، بل طالت الأطفال الذين أصبحوا يعانون حالات اختناق متكررة، مما يؤكد غياب الحد الأدنى من معايير البيئة النظيفة الخالية من السموم.
لم تقتصر التداعيات على اليابسة، بل امتدت لتطال الثروة السمكية في البحيرات والأنهار، حيث تكبد العراق خسائر فادحة نتيجة تلوث المياه بالمقذوفات الحربية والمخلفات الصناعية. كما أن استمرار رمي المواد السامة والزيوت في مجاري الأنهار، إلى جانب غياب المتابعة من قبل الجهات المعنية، جعل الماشية والثروة الحيوانية عرضة للنفوق، مما هدد الأمن الغذائي الوطني وأثر على معيشة المزارعين والصيادين.
الأسباب الجذرية للتدهور البيئي:
يُعزى هذا التدهور المتسارع إلى عوامل متشابكة، في مقدمتها:
1. تداعيات الحروب وآثارها البيولوجية، التي تركت إرثاً ساماً في التربة والماء.
2. غياب الرقابة الحكومية الفاعلة وتغول السياسات غير المدروسة.
3. التصحر وعدم انتظام جريان الأنهار بسبب شحة المياه والإهمال المزمن.
4. غياب الثقافة السياحية والبيئية لدى المواطن والمسؤول على حد سواء.
تفاقمت الأوضاع بفعل غياب الحزام الأخضر حول المدن، الذي كان يمثل درعاً طبيعياً لصد الرياح والعواصف الترابية التي ضربت البلاد بعنف في السنوات الأخيرة، لتصبح العواصف الرملية ظاهرة موسمية تهدد الحياة اليومية. وصول الوضع إلى هذا المستوى الكارثي، رغم وجود نهرين خالدين كدجلة والفرات وروافدهما، يعدُّ دليلاً قاطعاً على فشل السياسات المائية والزراعية.
لقد بلغت المفارقة ذروتها حين أصبحت مياه الشرب في العراق تُستورد من الخارج بتكلفة باهظة تصل إلى مليارات الدولارات، وهذا ليس إلا إنذاراً خطيراً بفشل المؤسسات الصحية والخدمية. لذا، فإن التحول نحو بيئة آمنة وصالحة للعيش يتطلب رسم خطة استراتيجية شاملة تشارك فيها جميع الوزارات والمؤسسات، تستهدف:
– وقف التعدي على الأراضي الزراعية.
– فرض رقابة صارمة على المولدات الأهلية والصناعات الملوثة.
– إعادة تأهيل مجاري الأنهار وحمايتها من التلوث.
– وضع برامج توعوية لتعزيز السلوك البيئي السليم.
تبقى البيئة النظيفة ليست ترفاً فكرياً، بل حقاً أساسياً للمواطن وضمانة لصحة المجتمع، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بإرادة سياسية صادقة ونية مخلصة للخروج من نفق التلوث إلى فضاء العمران والاستدامة.


