
نبأ محمد الزبيدي
ليست الأخلاق امتحاناً في أوقات الوفاق، وإنما تتجلى حقيقتها عند اشتداد الخلاف وانطفاء المودة. فالنفوس الكريمة لا يغيرها الفراق، ولا يدفعها الألم إلى هتك الستر أو جحود جميل العشرة، لأن القيم لا تنقضي بانتهاء العلاقة، والكرامة لا تُقاس بمن يغلب في الخصومة، بل بمن يحفظ لها شرفها وأدبها. ومن هنا، كان الستر والإنصاف بعد الطلاق من أسمى صور المروءة، ودليلاً على سمو النفس ورجاحة العقل، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
أخي الكريم، أختي الكريمة…
إذا كان الطلاق قد أنهى رابطة الزوجية، فلا ينبغي أن ينهي مكارم الأخلاق. فالعلاقة التي جمعت بين شخصين يوماً ما، مهما انتهت، يبقى لها حقها من الاحترام والستر والإحسان، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
غير أن المؤسف أن بعض النفوس، بعد الانفصال، تجعل من الخصومة ساحةً للانتقام لا ميداناً للإنصاف. فبدلاً من طيّ صفحة الماضي بكرامة، يبدأ مسلسل الإساءة والتشهير، واستدعاء كل ما مضى بقصد الإيلام لا طلباً للحق.
فقد يلجأ بعض الرجال إلى الافتراء على طليقاتهم، والطعن في سمعتهن، وإفشاء أسرار الحياة الزوجية، ظناً منهم أن ذلك يحقق انتصاراً أو يخفف مرارة الفراق. وفي المقابل، قد تنساق بعض النساء إلى تشويه صورة أزواجهن السابقين، وكشف خصوصياتهم وأسرارهم أمام الناس، بدافع الانتقام وإشباع رغبة الغضب.
ولا تقف الإساءة عند حدود الكلمة، بل قد تمتد إلى استغلال القانون ذاته وسيلةً للإضرار. فنشهد، مع الأسف، من يسارع بعد الطلاق إلى إقامة دعاوى كيدية ومنازعات لا تستند إلى حق، غايتها إنهاك الطرف الآخر مادياً ونفسياً، وإغراقه في أروقة المحاكم، لا تحقيق العدالة.
فتُثار الخصومات حول أمور يسيرة لا تستحق النزاع، وتُفتعل الخلافات لأسباب واهية، وتُستخدم الإجراءات القضائية أداةً للضغط والتنكيل، في مشهد يتنافى مع مقاصد العدالة، ويجرد الخصومة من شرفها، ويكشف عن ضعف في النفس قبل أن يكشف عن خلاف بين طرفين.
إن القضاء وُجد لإنصاف المظلوم وإقامة الحق، لا ليكون وسيلةً للكيد أو تصفية الحسابات الشخصية. واستغلاله للإضرار بالآخرين لا يعكس قوةً ولا انتصاراً، بل يكشف عن افتقار إلى المروءة، ويورث صاحبه وزر الظلم قبل أن يورث خصمه عناء التقاضي.
وتذكروا أن كشف الأسرار، ورمي الناس بالباطل، وتشويه السمعة، واستعمال القضاء سلاحاً للإيذاء، لا ينتقص من قدر الطرف الآخر بقدر ما يسقط هيبة من يمارسه، ويجرده من فضيلة الستر، ويضعف مكانته في أعين العقلاء.
فالإنسان النبيل هو من يسمو فوق رغبات الانتقام، ويحفظ حرمة العشرة، ويصون ما كان بينه وبين شريك حياته، حتى وإن انتهت العلاقة. فالمروءة لا تُقاس بحسن العشرة وحده، وإنما تُعرف حقيقتها عند اشتداد الخلاف، حيث يظهر معدن الرجال والنساء.
اجعلوا نهايات العلاقات كريمة كما كانت بداياتها، وأغلقوا أبواب الخصومة بما يرضي الله ويحفظ الكرامة. واعلموا أن من ستر مسلماً ستره الله، وأن العفو والإحسان عند القدرة من أرفع مراتب الأخلاق.
اخرجوا من تجربة الطلاق بضمائر مطمئنة، وأيدٍ نقية من الظلم، وألسنة مصونة عن البهتان، فخير ما يتركه الإنسان بعد انقضاء العلاقات سيرة طيبة، وموقف كريم، وذكر حسن.


