الإثنين, 3 أغسطس 2026
  • Home  
  • أمريكا والعراق.. من شراكة الحرب الى الشراكة الاقتصادية
- رأي ومقالات

أمريكا والعراق.. من شراكة الحرب الى الشراكة الاقتصادية

ابراهيم يوسف في ضوء المعطيات المتاحة عن الزيارة، يمكن القول إن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة ولقاءه الرئيس دونالد ترامب تمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة العراقية–الأمريكية: من علاقة ارتبطت طويلاً بالملف الأمني والعسكري، إلى شراكة اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أوسع. فقد رافق الزيارة الإعلان عن أكثر من 50 اتفاقاً ومذكرة […]

ابراهيم يوسف

في ضوء المعطيات المتاحة عن الزيارة، يمكن القول إن زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة ولقاءه الرئيس دونالد ترامب تمثل محاولة لإعادة تعريف العلاقة العراقية–الأمريكية: من علاقة ارتبطت طويلاً بالملف الأمني والعسكري، إلى شراكة اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أوسع. فقد رافق الزيارة الإعلان عن أكثر من 50 اتفاقاً ومذكرة تفاهم، بقيمة إجمالية تتجاوز 60 مليار دولار، فيما تحدث الجانب العراقي عن 48 اتفاقاً ومذكرة تعاون في قطاعات متعددة.

. غرفة التجارة الأمريكية

العراق والولايات المتحدة: من شراكة الحرب إلى شراكة التنمية.

أولاً: زيارة سياسية ذات دلالة استراتيجية:

إن لقاء رئيس الوزراء العراقي بالرئيس ترامب لا يمكن اختزاله في كونه لقاءً بروتوكولياً. فالرسالة الأساسية التي حملتها الزيارة هي أن بغداد تريد الانتقال من موقع الدولة التي تحتاج إلى الدعم الأمني، إلى دولة تسعى إلى بناء شراكة متبادلة المصالح مع واشنطن.

وقد منح اللقاء بين الزعيمين الزيارة بعداً سياسياً مهماً، خصوصاً أن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو أكثر اهتماماً بالنتائج الاقتصادية والاستثمارية المباشرة، بينما يحاول العراق استثمار هذه الرغبة في جذب التكنولوجيا ورؤوس الأموال والخبرات الأمريكية.

والأهم أن العلاقة بين البلدين تبدو متجهة إلى معادلة جديدة يمكن تلخيصها بالآتي:

انسحاب عسكري تدريجي مقابل حضور اقتصادي واستثماري متزايد.

فقد أُعلن عن اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2026، مع استمرار التعاون الاقتصادي والشراكات التجارية بين البلدين. وهذا يمثل تحولاً كبيراً في طبيعة العلاقة، من الحضور العسكري المباشر إلى النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والدبلوماسي.

ثانياً: مذكرات التفاهم… فرصة كبيرة ولكنها ليست إنجازاً نهائياً

إن الإعلان عن عشرات الاتفاقات ومذكرات التفاهم مع شركات أمريكية وعالمية كبرى، في قطاعات النفط والغاز والكهرباء والتكنولوجيا والاتصالات والزراعة والصناعة والتعليم والصحة، يمثل خطوة مهمة للغاية. ومن بين المجالات المطروحة مشاريع مرتبطة بشركات كبرى مثل: اوكسن موبيل، كي بي ار، جي اي فيرنوفا، وهاليبيرتن، فضلاً عن مشاريع الاتصالات والتكنولوجيا والزراعة والصناعة.

لكن يجب التمييز بوضوح بين:

مذكرة التفاهم، والاتفاق، والعقد التنفيذي، والمشروع الذي بدأ فعلياً بالإنتاج.

فالقيمة الحقيقية لهذه الزيارة لن تقاس بعدد المذكرات الموقعة ولا بالقيمة المالية المعلنة، بل بمدى قدرة الحكومة العراقية على تحويل هذه التفاهمات إلى:

. مشاريع فعلية.

. وظائف حقيقية للعراقيين.

. نقل للتكنولوجيا والخبرة.

. زيادة في الإيرادات غير النفطية.

. تطوير للبنية التحتية.

. تنويع للاقتصاد العراقي.

. حماية المال العام من الفساد والعمولات والاحتكار.

وهنا تكمن نقطة الاختبار الكبرى للحكومة العراقية.

ثالثاً: الطاقة… من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الطاقة

ربما يكون قطاع الطاقة هو المجال الأكثر أهمية في الشراكة الجديدة. فالعراق يمتلك احتياطيات هائلة، لكنه ما زال يعاني من مشكلات الكهرباء والغاز المصاحب وتراجع البنى التحتية وغياب التنويع الاقتصادي.

لذلك فإن دخول الشركات الأمريكية الكبرى يمكن أن يساعد العراق في:

. تطوير إنتاج النفط والغاز.

. استثمار الغاز المصاحب بدلاً من حرقه.

. تطوير شبكات الكهرباء.

. إدخال تقنيات الطاقة الحديثة.

. تحسين كفاءة الإنتاج والنقل.

. بناء مسارات جديدة لتصدير الطاقة.

وقد ارتبطت الاتفاقات الأخيرة بمشاريع ضخمة في الطاقة والبنية التحتية، فيما تحدثت تقارير عن اتفاقات ومذكرات تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، بما يجعلها من أكبر حزم التعاون الاقتصادي العراقي–الأمريكي في السنوات الأخيرة. 

لكن العراق يجب ألا يقع في خطأ إعادة إنتاج النموذج القديم، أي استبدال شركة أجنبية بأخرى مع بقاء الاقتصاد العراقي رهينة للنفط. المطلوب هو استخدام الطاقة كـرافعة لبناء اقتصاد متنوع، وليس باعتبارها غاية نهائية.

رابعاً: هل يمكن أن تسهم الشراكة في مكافحة الفساد…؟

هنا نصل إلى الملف الأكثر حساسية.

إن الشركات الأمريكية الكبرى تعمل عادة ضمن أنظمة قانونية ومالية ورقابية أكثر تعقيداً، الأمر الذي يمكن أن يساعد في رفع معايير الشفافية، خصوصاً في العقود الكبرى.

لكن وجود الشركات الأجنبية لا يعني تلقائياً انتهاء الفساد. فالمشكلة الأساسية ليست في جنسية الشركة، بل في

. شفافية المناقصات.

. استقلال القضاء.

. قوة الأجهزة الرقابية.

. علنية العقود.

. منع تضارب المصالح.

. مكافحة العمولات والوساطات.

. إخضاع جميع المسؤولين للمساءلة.

وبعبارة أخرى، فإن الشراكة الأمريكية يمكن أن توفر أداة مهمة لمكافحة الفساد، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة السياسية العراقية.

فإذا بقيت العقود الكبرى محكومة بالمحاصصة والصفقات السرية، فقد تتحول الاستثمارات الضخمة إلى مصدر جديد للفساد. أما إذا ارتبطت بمؤسسات رقابية مستقلة وقضاء نزيه، فإنها قد تساعد على بناء بيئة اقتصادية أكثر انضباطاً.

خامساً: مستقبل العراق بين واشنطن وطهران

لا يمكن قراءة الزيارة بعيداً عن الجغرافيا السياسية للمنطقة.

العراق يقع في قلب صراع النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، وله علاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة مع طهران، وفي الوقت نفسه يحتاج إلى علاقات قوية مع واشنطن والغرب.

لذلك فإن أفضل سياسة عراقية ليست الانحياز الكامل إلى طرف ضد آخر، بل بناء سياسة خارجية عراقية مستقلة ومتوازنة.

العراق يستطيع أن يقول:

نريد علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقات حسن جوار مع إيران، وعلاقات اقتصادية وسياسية متوازنة مع جميع دول المنطقة.

لكن تحقيق هذا التوازن يحتاج إلى دولة قوية، لأن الدولة الضعيفة تتحول إلى ساحة صراع للآخرين.

وتشير المعطيات المحيطة بالزيارة إلى أن واشنطن تركز أيضاً على قضايا أمنية وسياسية، بينها مستقبل الفصائل المسلحة وعلاقة العراق بإيران، وهو ما يجعل الشراكة الاقتصادية مرتبطة، بدرجات مختلفة، بالاستقرار الأمني والسياسي.

سادساً: كيف ستنعكس الشراكة على المنطقة…؟

إذا نجح العراق في تحويل هذه الشراكة إلى مشاريع حقيقية، فقد يصبح أحد أهم مراكز الاقتصاد والطاقة والنقل في الشرق الأوسط.

فالعراق يمتلك موقعاً جغرافياً يؤهله للربط بين:

. الخليج العربي.

. تركيا وأوروبا.

. إيران وآسيا.

. بلاد الشام والبحر المتوسط.

وهذا يمنحه فرصة للتحول من دولة تتأثر بأزمات المنطقة إلى دولة تساهم في صناعة الاستقرار الإقليمي.

كما أن بناء علاقات اقتصادية قوية مع الولايات المتحدة قد يمنح العراق هامشاً أكبر من الاستقلال في اتخاذ القرار، بشرط ألا تتحول الشراكة إلى تبعية سياسية أو اقتصادية.

سابعاً: العلاقة بين الشعبين العراقي والأمريكي

ربما تكون هذه النقطة الأكثر أهمية على المدى البعيد.

فالعلاقة بين الشعب العراقي والشعب الأمريكي تحمل إرثاً ثقيلاً بسبب حرب 2003 وما ترتب عليها من مآسٍ ودمار وفقدان للثقة. ولذلك فإن بناء علاقة استراتيجية حقيقية لا يمكن أن يعتمد على الحكومات وحدها.

العلاقة الجديدة ينبغي أن تقوم على:

. التبادل الثقافي.

. التعاون الأكاديمي والجامعي.

. المنح الدراسية.

. التعاون الطبي.

التبادل التجاري.

. الاستثمار الخاص.

. التعاون التكنولوجي.

. التواصل بين الشباب.

. احترام السيادة العراقية.

. احترام كرامة الشعب العراقي وحقه في تقرير مستقبله.

فالاستثمار الحقيقي في العلاقات الدولية ليس فقط في النفط والغاز، وإنما في الإنسان.

الخلاصة: زيارة ناجحة… لكن النجاح الحقيقي يبدأ بعد العودة إلى بغداد

يمكن تقييم الزيارة بأنها مهمة سياسياً واقتصادياً، وواعدة استراتيجياً، لأنها فتحت الباب أمام تحول جوهري في العلاقة العراقية–الأمريكية.

لكن النجاح الحقيقي لا يقاس بحفاوة الاستقبال في البيت الأبيض، ولا بعدد الاتفاقات الموقعة، ولا بمليارات الدولارات المعلنة.

إن النجاح الحقيقي سيظهر عندما يرى المواطن العراقي:

كهرباء أفضل، وفرص عمل، ومصانع جديدة، وطرقاً حديثة، وتعليماً متطوراً، وقطاعاً صحياً أفضل، واقتصاداً أقل اعتماداً على النفط، ودولة قادرة على حماية أموالها من الفساد.

أما على المستوى الإقليمي، فإن العراق يمتلك فرصة تاريخية للانتقال من ساحة للصراع بين القوى الكبرى إلى جسر للتعاون بينها.

والشراكة العراقية–الأمريكية يمكن أن تكون بداية مرحلة جديدة، شرط أن تقوم على ثلاثة مبادئ أساسية:

الندية لا التبعية، والمصلحة المتبادلة لا الإملاء، والتنمية لا الصراع.

وفي النهاية أقول: إن مستقبل العلاقة بين الشعبين العراقي والأمريكي لن تصنعه البيانات السياسية وحدها، بل تصنعه قدرة الطرفين على تجاوز ذاكرة الماضي، وبناء علاقة جديدة أساسها الاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة، والتعاون من أجل مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للعراق والمنطقة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026