في خطوة حملت دلالات سياسية عميقة، أعلنت الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، تعيين الدبلوماسي المخضرم فيليكس بلاسينسيا وزيراً للخارجية والتجارة الخارجية، خلفاً لإيفان خيل، وذلك ضمن تعديل وزاري واسع تشهده كراكاس في ظل مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد. غير أن الحدث الأبرز لم يكن مجرد تغيير في حقيبة وزارية، بل في هوية من يتولّاها: رجل كان حتى ساعات قليلة مضت الممثل الدبلوماسي الأول لفنزويلا في واشنطن. اختيار بلاسينسيا، الذي عُيّن في منصبه الدبلوماسي بالولايات المتحدة قبل خمسة أشهر فقط، يحمل رسالة واضحة حول أولوية العلاقة مع واشنطن في المرحلة المقبلة، ويعكس تحولاً استراتيجياً في نهج كراكاس الخارجي.
جاء القرار الرئاسي متضمناً إعادة هيكلة مؤسسية غير مسبوقة، تمثلت في دمج وزارتي العلاقات الخارجية والتجارة الخارجية في كيان واحد يحمل اسم “وزارة العلاقات الخارجية والتجارة الخارجية”. وتُعد هذه الخطوة نقلة نوعية في إدارة الشأن الخارجي الفنزويلي، إذ تهدف إلى توحيد الجهود الدبلوماسية والتجارية تحت سقف واحد، بما يمنح البلاد قدرة أكبر على التفاوض وجذب الاستثمارات وإعادة بناء الشراكات الدولية.
ويأتي هذا التعديل في وقت تواجه فيه فنزويلا تحديات جسام، أبرزها جهود إعادة الإعمار بعد الزلزالين المدمرين اللذين ضربا البلاد في 24 حزيران الماضي بقوة 7.2 و7.5 درجات، وأوديا بحياة أكثر من 4,500 شخص وأصابوا نحو 17,000 آخرين، مع بقاء آلاف آخرين في عداد المفقودين. كما يأتي في سياق سعي الحكومة الانتقالية إلى طمأنة الأسواق العالمية بشأن استقرار صناعة النفط، التي تُعد شريان الاقتصاد الفنزويلي، والتي تحافظ حالياً على طاقة إنتاجية تبلغ 1.2 مليون برميل يومياً.
ويأتي هذا التعيين في وقت تشهد فيه العلاقات الثنائية تحولات كبرى، إذ تشرف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خطة مرحلية لفنزويلا تشمل ثلاثة مسارات: تحقيق الاستقرار، ثم التعافي الاقتصادي، ثم المصالحة والتحول الديمقراطي. وفي هذا السياق، رفعت واشنطن عقوباتها عن بعض القطاعات الرئيسية، وأصدرت وزارة الخزانة الأميركية تراخيص تسمح لشركة النفط الحكومية “PDVSA” ببيع الهيدروكربونات مباشرة إلى الشركات الأميركية والأسواق العالمية. كما تعهدت الولايات المتحدة بتقديم نحو 400 مليون دولار كمساعدات إغاثية لضحايا الزلزال.
في مشهد سياسي متغير، يبرز فيليكس بلاسينسيا كخيار استراتيجي يجمع بين الخبرة الطويلة والثقة السياسية والقدرة على التواصل مع الشرق والغرب على حد سواء. تعيينه على رأس وزارة موحدة للخارجية والتجارة، في وقت تستعد فيه فنزويلا لمرحلة جديدة من العلاقات مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، يحمل رسائل عدة: أن كراكاس جادة في مسار المصالحة، وأنها تدرك أن الدبلوماسية هي الطريق الأقصر لتحقيق الاستقرار والازدهار.
يبقى السؤال المفتوح: هل يستطيع هذا الدبلوماسي المخضرم ترجمة هذه النوايا الحسنة إلى إنجازات ملموسة على الأرض، في بلد يعاني من تداعيات الكوارث الطبيعية، وعقود من العقوبات، وأزمة اقتصادية خانقة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن فنزويلا اختارت اليوم رجلاً يعرف طرق الدبلوماسية، ويعرف أيضاً كيف يفتح الأبواب المغلقة.



