في خطوة دبلوماسية رفيعة المستوى، استقبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، في لقاء وُصف بأنه محوري في مسار العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن، خاصة في ظل التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة.
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي أعقب المباحثات، أكد الزيدي بوضوح أن الحكومة العراقية تعتزم إنهاء وجود الفصائل المسلحة غير الحكومية في البلاد، مشيراً إلى أن “بعد نهاية شهر أيلول المقبل، لن تكون هناك أي حاجة لوجود هذه الفصائل”. وأوضح أن هذا القرار يأتي في سياق استعادة الدولة لسلطتها الكاملة واحتكارها لاستخدام القوة، بما يعزز سيادة العراق واستقراره.
وفي تطور موازٍ، أعلن الزيدي أن القوات الأمريكية ستبدأ انسحاباً كاملاً من العراق، ليحل محلها حضور مدني أمريكي متمثل في شركات استثمارية وتكنولوجية كبرى، تعمل في مجالات الطاقة والبنى التحتية وإعادة الإعمار. وأضاف أن “غياب المبررات الأمنية لوجود الفصائل المسلحة، يرتبط ارتباطاً مباشراً بانسحاب القوات الأجنبية، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الاقتصادية بدلاً من العسكرية”.
من جانبه، وصف الرئيس ترامب رئيس الوزراء العراقي بـ”القائد العظيم”، مثنياً على أدائه الحكومي ومتوقعاً أن يستمر في منصبه لفترة طويلة، في إشارة إلى ثقة الإدارة الأمريكية بقدرة الزيدي على قيادة المرحلة المقبلة. كما عبّر ترامب عن حب الولايات المتحدة للعراق، مؤكداً أن بلاده تسعى إلى شراكة استراتيجية تقوم على المصالح المشتركة، لا على الوجود العسكري المباشر.
ويأتي هذا اللقاء بعد يوم من إعلان مكتب الزيدي أن الزيارة تهدف بالأساس إلى تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية، واستقطاب الاستثمارات الأمريكية في قطاعات حيوية كالنفط والغاز والكهرباء والتعليم العالي، فضلاً عن دعم القطاع الخاص العراقي. وتُعد هذه الزيارة الأولى من نوعها لرئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن منذ توليه المنصب، مما يمنحها أهمية استثنائية في رسم ملامح المرحلة المقبلة من العلاقات العراقية-الأمريكية، بعيداً عن الإطار الأمني الذي طغى على العقدين الماضيين.
ويُتوقع أن تشهد الأسابيع المقبلة اجتماعات فنية بين الجانبين لوضع آليات تنفيذية للانسحاب العسكري وتحويل الوجود الأمريكي إلى غطاء استشاري وتدريبي محدود، بالتزامن مع تعزيز التعاون الاقتصادي. كما سيتم تشكيل لجان عراقية-أمريكية لمتابعة ملف إعادة تأهيل المدن المتضررة ودعم مشاريع الطاقة المتجددة، بما يساهم في تحسين واقع الخدمات وتوفير فرص العمل للشباب العراقي.
في المحصلة، يبدو أن لقاء البيت الأبيض قد رسم ملامح تحول جوهري في طبيعة العلاقة بين البلدين، حيث تطوي بغداد صفحة الوجود العسكري وتفتح أبوابها على مصراعيها أمام التعاون الاقتصادي، في وقت تؤكد فيه عزمها على فرض هيبة الدولة والقضاء على أي وجود مسلح خارج إطار القوات النظامية، وهو ما قد يشكل منعطفاً مهماً في تاريخ العراق الحديث، إن تم تنفيذه في الآجال المحددة.



