
محمد الأمارة
أبو محمود: الله يسعدكِ أختي أم عبد الله.
أمل: أهلاً جاري أبو محمود! تفضّل وأمرني، هل تحتاج شيئاً؟ خبزاً أو شيئاً آخر؟
أبو محمود: كل الخير أختي أم عبد الله. يدفع لها بكيس نايلون أسود.
أبو محمود: أختي، هذه ملابس ابني محمود، ارتأيتُ أن يُستفادَ منها ابنُك عبد الله، فهو يلبس نفس قياس ابني محمود، وهو لم يستعملْهُنّ إلا مرتين فقط، إنّهُنّ ما زِلْنَ ملابس جديدة، والعيد بعد يومين، بدل أن نرميَهُنّ في حاوية القمامة.
تغضب أمل وتتماسك نفسها.
تستفيق أمل من نومها وهي ممسكة بالخيط والإبرة والبنطلون…. متألّمة وتجهش بالبكاء…. لكنها تكمل خياطة البنطلون.
عبد الله على فراشه وهو يجهش بالبكاء، ومتألّم لأن العيد قد اقترب وهو لا يملك ملابس تليق به ليخرج بها إلى الشارع كباقي الأولاد.
يذهب إلى دولاب ملابسه، فيراه فارغاً إلا من بيجامة وقميص، وهنّ مطويات مع بعض. يأخذ بنطلوناً وهو مركون على جنب، يتفحّصه، فيجده لا يصلح للبس، فيعود إلى فراشه وهو متألّم.
تكمل أمل تقريم البنطلون، وتنهض لتذهب به إلى عبد الله لكي يُجربه، لكنها متردّدة من رد فعل عبد الله لو طلبتْ منه قياسه، فهو رافض لفكرة لبس ملابس غيره، لأن ذلك يشعره بخذلان لذاته التي تريد أن تزهو وتعلو كما تزهو وتعلو أنفس كل الأولاد من هم بعمره بين الأصدقاء والأقران. تقف أمل متسمرة في مكانها، لا تقدّم خطوة أبداً إلى الأمام. تسمع طرقاً على باب الدار، تلتفت نحو الصوت باتجاه باب الدار، تشعر بالخوف وهي متألّمة. نسمع طرق الباب مرةً أخرى. أمل تسرح بخيالها.
تفتح أمل الباب ببطء، تشاهد أبا محمود وهو يدفع لها بكيس أسود.
أبو محمود: هاي بناطيل ابني محمود، لم يلبسهما إلا مرتين فقط… قد تنفع ابنَك عبد الله ليلبسهما في أيام العيد السعيد هذه الأيام.
تتحرّك أمل نحو باب الدار بغضب وبسرعة، متجهةً، تمشي خلال ممر يؤدي إلى الباب الخارجي منفعلة وحزينة، تتباطأ حركتها وهي تحدق نحو الباب الخارجي الذي صار بعيداً جداً عنها. تُسرع بخطواتها إلى الأمام، لكنها تشعر أن خطواتها تعود بها إلى الوراء، فتحتار، تتردّد، تريد العودة إلى غرفة ابنها عبد الله ليُجرب البنطلون، لكنها تجد نفسها أخيراً عند باب الدار الخارجي. تفتح الباب ببطء، فتجد أبا محمود يقف أمام الباب وهو يدفع لها كيساً أسود. أمل غاضبة جداً.
أمل: أبو محمود، صحيح أننا ناسٌ فقراء، لكن لن نلبس ما لبسه غيرنا من قبل… خُذْ كيسَك وارمِهِ في القمامة كما تريد أو تشاء.
هذا صدى الصوت الذي تردّد في دواخل أمل قبل أن يتكلّم أبو محمود بأي شيء.
أبو محمود: السلام عليكم أختي أم عبد الله.
أمل صامتة متردّدة بالكلام.
أمل: أهلاً جاري أبو محمود.
يدفع أبو محمود إليها بكيس أسود.
أبو محمود: أختي أم عبد الله، اليوم ذهبتُ إلى السوق، اشتريتُ ملابس العيد لأولادي، ولعبد الله، ومُهَيْمِن ومحمود ابني نفس قياس عبد الله، ومُهَيْمِن أصغر منهما قليلاً… وعيد سعيد عليكم يا أختي وجارتي.
تبتسم أمل، وتضع يدها على صدرها وتنظر إلى السماء، تحمد الله وتشكره، تأخذ الكيس الأسود من أبي محمود.
أمل: عيد سعيد علينا وعليكم إن شاء الله.
عادت أمل إلى داخل البيت فرحةً جداً، وهي تردّد الثناء والحمد لله تعالى. عرفت أن سبحانه وتعالى لن يترك عبداً من عباده يريد أن يفرح كما يفرح غيره إلا ويجبر بخاطره، ويأتيه من حيث لا يحتسب. وتمضي الأيام والسنون.
وكان خوفُ أمل يكبر معها حينما بلغ مُهَيْمِن عمرَه السادسةَ عشرةَ سنةً، المراهقة، لأنّه عديمُ المسؤولية ويجهل الكثير من الأشياء التي تعتمد عليها حياتنا هذه الأيام ومتطلباتها، والدراية التي يجب على الشخص أن يكون مطلعاً على خفايا الأمور وقراءتها قبل أن تحدث، خوفاً من وقوع الفأس في الرأس كما يقولون. لكن مُهَيْمِن بعيد كل البعد عن هذه الفلسفة، بينما ابنها عبد الله أكثر حرصاً وهو يعتمد عليه، وهي مطمئنة من ناحيته.
يجلس مُهَيْمِن على مصطبة جلوس على رصيف شارع عام، يشرب عصير البرتقال من قنينة عصير رخيصة السعر، اقتناها من بائع عصائر عجوز على رصيف الشارع، بينما هو يتأمّل رواح الناس وإيابهم، والأسف والحسرة ترسم محياه. يسرح بخياله بعيداً مع طول الطريق التي سلكها بين المحلات والشركات.
يبحث عن فرصة عمل. يدخل مُهَيْمِن محلَّ أسواق غذائية كبيرة، يقترب من صاحب المحل الذي يجلس خلف ماكينة الكاشير، ويسأله عن عمل.
مهيمن: السلام عليكم عمي.
صاحب المحل: وعليكم السلام.. تفضّل أخي، بماذا أخدمك؟!
مهيمن: هل تحتاجون إلى عمّال يعملون معكم في الأسواق؟
صاحب المحل: لا… لسنا بحاجةٍ إلى عمّال آخرين، يكفي ما لدينا من عمّالٍ كسالى.
يعود بنظراته إلى الناس التي تمر من أمامه. يُكمل مُهَيْمِن شرب قنينة العصير التي بيده، ويعاود سرحانه في مشواره الطويل. يقف أمام رجل ببدلة رسمية، وقد كره كلَّ شيءٍ أمامه.
مهيمن: أستاذ، شفتُ إعلاناً عن حاجتكم إلى موظفين للشركة.
الموظف: أنا متأسف، فقد اكتمل عدد الموظفين الذين نحتاجهم.
مهيمن: أستاذ، اليوم بدأ التقديم للوظيفة، فمتى اكتمل العدد واكتفيتم من الباقين الذين حضروا منذ الصباح الباكر معي؟
الموظف: هل تكذبني؟! هيا اخرج من الشركة، وإلا سأنادي أمن الشركة فيرمونك في الشارع مع الكلاب السائبة.
مُهَيْمِن ما زال جالساً على المصطبة ويعود من سرحانه، ويرتشف آخر رشفة من عصير البرتقال الذي في القنينة. تأتي على باله صورة أمّه أمل وهي تتلقّاه عند عتبة باب الدار، متلهّفة لتعرف هل حصل على عمل في مشواره هذا اليوم أم لا. كالعادة، ستصاب بخيبة أمل كما في كل مرة، لكن الذي يهون عليها الأمر أن ابنها عبد الله يعمل في شركة توصيل وهو مستقر في عمله ويقبض راتبه الشهري الذي هو مصدر دخلهم الوحيد بعد أن عجزت هي عن استمرارها بعمل الخبز الذي أنهك مفاصلها، وصارت لا تقوى على الاستمرار به.
يمشي مُهَيْمِن على رصيف شارع فرعي. تمر من قربه سيارة، ثم تتوقف، ويعود صاحبها بها إليه للخلف، ثم ينزل منها شخص في الثامنة عشرة من عمره، ويتفاجأ به مُهَيْمِن.
حاتم: أنا غير مصدق… أنت مُهَيْمِن؟
مهيمن: من؟… عذراً، لم أعرفك، ولا صُغْراً بك…؟
حاتم: أنا ابن منطقتك، حاتم السريع… معقولٌ نسيتني؟!
مهيمن: لا.. مستحيل… لقد تغيّر شكلك، لم أعرفك إلا من اسمك حاتم السريع.
حاتم: أنا هو حاتم السريع….
مهيمن: لكن أخبرني، كيف تغيّرت هكذا؟
حاتم: ليس شكلي فقط، وإنما أحوالي صارت أفضل. امشِ معي، وسأخبرك بكل شيء، ستندهش، امشِ وياي.


