السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • حينما يتحول الأدب إلى حصانٍ بيد السلطة.. العراق نموذجاً
- أدب وفن

حينما يتحول الأدب إلى حصانٍ بيد السلطة.. العراق نموذجاً

محمد حسن علي في معترك الحضارات الإنسانية، كان الأدب دوماً تلك المرآة التي تعكس وجوه الأمم، وتصوّر آلامها وآمالها، ويكتب تاريخها بأحرف من نور أو نار. غير أن للأدب وجهاً آخر، مرعباً ومزرياً، حين تنقلب هذه المرآة لتزيّف الوجوه، وتُسرَج الكلمات، وتُشد لها أحزمة الجياد، لكي تكون حصاناً تقتحم به السلطةُ أسوارَ العقول وتُطيل عمرها […]

محمد حسن علي

في معترك الحضارات الإنسانية، كان الأدب دوماً تلك المرآة التي تعكس وجوه الأمم، وتصوّر آلامها وآمالها، ويكتب تاريخها بأحرف من نور أو نار. غير أن للأدب وجهاً آخر، مرعباً ومزرياً، حين تنقلب هذه المرآة لتزيّف الوجوه، وتُسرَج الكلمات، وتُشد لها أحزمة الجياد، لكي تكون حصاناً تقتحم به السلطةُ أسوارَ العقول وتُطيل عمرها الذابل على حساب دماء الضمائر. وفي العراق، موطن المتنبي والجواهري والسياب، تتجلى هذه الظاهرة بأكثر صورها تعقيداً وإيلاماً، حيث تحول الأدب، في حقبة ما بعد 2003، من منصة للتحرر إلى سلعة في مزاد السلطة الفاسدة.

منذ سقوط النظام القديم، وُلدت في العراق آمالٌ عارمة بأن يعود الأدباء إلى دورهم الطبيعي؛ نقاداً للواقع، وسفراء للضمير الجمعي، وحُماة للذاكرة الوطنية. لكن سرعان ما تبخرت هذه الآمال حين اكتشفت الأحزاب والقوى المتنفذة أن الأدب، إذا ما روّض وأُخضِع، يصبح سلاحاً فتاكاً أقوى من أي بيان سياسي أو خطاب منبرّي. وهنا بدأت المأساة: تحول الأدب إلى حصان بيد السلطة، يركبه متنفذوها لاجتياح عقول الناس، وتمرير مشاريعهم التدميرية، وخلق شرعية مزيفة لأوهامهم السلطوية.

انقسم الأدباء، ككل المثقفين، في هذا المشهد العراقي المأزوم إلى فئتين متباينتين، تعكس كل منهما أبعاد الأزمة الأخلاقية والسياسية العميقة.

أما الفئة الأولى، وهم الذين ركبوا صهوة هذا الحصان المذعور، فقد باعوا أقلامهم وأفكارهم وذممهم بثمن بخس، مقابل مناصبَ وِهمية، وألقابٍ جوفاء، وأموالٍ حرامٍ نهبت من خزائن الشعب. تحولوا إلى صنّاع تبرير للفساد، وكتّاب خطابات مسطّحة تمجّد القادة الفاسدين، وتلبس الفشل الذريع ثوب الانتصار المزعوم. صاروا أدوات بأيدي السلطة، لا يكتبون إلا ما يُملَى عليهم، لا ينقدون إلا بقدر ما يخدم أجندة أحزابهم، ويُطيلون في عمر منظومة سياسية آخذة في التفسخ. هؤلاء الأدباء، الذين افترض فيهم أن يكونوا الضمير اليقظ، تحولوا إلى صرخات مدججة بالسلاح، تدافع عن النهب، وتبرر توزيع الحصص، وتغلف القبح بجماليات لغوية باردة، وكأنهم يبيعون السم في قوارير العسل.

بينما تقف الفئة الثانية على الضفة الأخرى من النهر المتدفق بالوجع، وهي الفئة التي رفضت الرضوخ وأبت إلا أن تكون أمينة لرسالتها الإنسانية. هؤلاء الأدباء الأحرار، لم يجدوا مكاناً لهم في المنابر الرسمية، ولم تُفتح لهم أبواب المجامع الثقافية المدعومة من السلطة، فكان جزاؤهم التهميش والإقصاء والنسيان المتعمد. طمروا في زوايا شارع المتنبي، ذلك الشارع الأسطوري الذي يئن تحت وطأة الاكتظاظ والأتربة، لكنه يظل معقلاً للكلمة الحرة. هناك، في ظل ما تبقى من أشجاره الصامدة، وقرب ضفاف دجلة التي تجري كما جرت منذ آلاف السنين، يجلس هؤلاء الأدباء، كالأنبياء المطرودين، ينتظرون حظهم العاثر، ويعزفون لحن الأمل المخنوق مع خرير الماء الهادئ.

إنهم يعزفون، لا لأنهم هُزموا، بل لأنهم يعرفون أن دجلة ستبقى حين تزول قصور الظالمين، وأن حروفهم، حتى لو لم تُنشر في صحف السلطة، فإنها ستظل محفورة في وجدان الأجيال المقبلة. هم شهداء الكلمة الحية، الذين رفضوا أن تكون أقلامهم جوازات عبورٍ إلى دهاليز الفساد، وفضلوا العزلة الشريفة على الصحبة الخائنة، والفقر المدقع على الغنى الناتج عن استغلال المنصب والسلطة.

إن إشكالية السلطة مع الأدب في العراق ليست عارضة؛ إنها بنيوية، تكررت في كل العهود التي ساد فيها الاستبداد. فالسلطة لا تحب الأدب الحر، لأن الأدب الحر كالنار في الحقل اليابس، وكالسيل الجارف، وكالمرآة التي لا تزيّف. لذا فهي تحاول دائماً تحييده، إما بشرائه وتجنيده، أو بتهميشه وإخضاعه. لكن ما يجري اليوم هو انتهاك صارخ لرسالة الأدب، حيث تحول إلى أداة للابتزاز الأخلاقي، وهندسة الوعي، وإدامة ثقافة المحاصصة والتبعية.

إن الأديب الحقيقي، كما نرى، ليس تابعاً للحاكم ولا عبداً للسلطان، بل هو تابع للضمير الإنساني فقط. حين يبيع الأديب قلمه، فإنه يخون نفسه قبل أن يخون وطنه، ويكتب سقوطه بيده قبل أن يكتب سقوط الآخرين. أما الذين رفضوا، فإنهم يظلون، رغم التهميش، هم الأمل الباقي، والأصوات التي ستزلزل كيانات الظلم حين يأتي يوم الحساب. إن لحن دجلة الذي يعزفونه ليس مجرد موسيقى حزينة، بل هو نشيد الخلود للكلمة التي لا تموت، والتي تنتظر فجراً جديداً لا يشهد للظالمين راية، ولا للحصان المأسور صهيلاً.

فلتدرك السلطة أن حصانها المسرّج بالأدب المشبوه لن يبلغ بها بر الأمان، لأن الحقيقة كالماء، تتسرب من بين الأصابع، وكالنهر، تجري في مجاريها مهما سدّت السدود. الأدباء الأحرار، وإن طال بهم الحصار، سيظلون ينابيعَ تروي العطشى، وشموعاً تحترق في زوايا شارع المتنبي، لتضيء دروب العراق المظلمة، وتبقى أصابعهم، ولو رثّت ثيابهم، تعزف لحن الأمل مع خرير دجلة الأبدي، حتى يعود للأدب اعتباره، وللعراق مجده.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026