
ا. د ساجد الشرقي
من أخطر التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003 أنها لم تقتصر على إعادة تشكيل النظام السياسي، بل امتدت إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي واللغة العامة والرموز التي ينتج من خلالها المجتمع صورته عن الدولة.
فالدول لا تبنى بالقوانين وحدها، إنما تبنى أيضاً بالخطاب والرموز والإشارات الثقافية التي تعكس طبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسة.
وفي الوقت الذي كان يفترض أن تتجه الدولة العراقية نحو ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه الأساس الجامع لجميع العراقيين، شهدنا اتجاهاً معاكساً تمثل في تضخم حضور الانتماءات الفرعية داخل المجال العام، فلم يعد المواطن يُعرف بوصفه مواطناً، بل بوصفه ممثلاً لعشيرة أو طائفة أو منطقة أو جماعة اجتماعية، وتدريجياً انتقلت هذه الظاهرة من المجتمع إلى مؤسسات الدولة نفسها، فأصبحت الكنى والألقاب جزءاً من الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، وصرنا نسمع مفردات من قبيل: “الحجي، والشيخ، وسيدنا، والمولى، والمعالي، والسماحة… إلخ” داخل فضاءات يفترض أنها تمثل الدولة لجميع المواطنين على قدم المساواة. ومع مرور الوقت لم تعد هذه المفردات مجرد كلمات عابرة، بل تحولت إلى علامات رمزية تعيد تعريف المكانة الاجتماعية داخل المجال العام.
والأخطر أن الظاهرة لم تتوقف عند حدود اللغة، فقد امتدت إلى المظهر والرمز البصري، فأصبح اللقب يصحبه أحياناً زي يعبّر عن هوية فرعية معينة، فيحضر الزي العشائري مع لقب الشيخ، أو الزي الديني مع لقب المولى أو السيد، أو غيرها من الرموز التي تنتمي إلى فضاءات اجتماعية وثقافية محددة. وحين تدخل هذه الرموز إلى المؤسسات العامة بوصفها جزءاً من المشهد الرسمي، فإنها ترسل رسالة ضمنية مفادها أن الانتماء الفرعي ما زال حاضراً داخل الدولة ومؤثراً في تشكيل صورتها.
ولا يتعلق الأمر هنا برفض التنوع الثقافي أو الاجتماعي أو الديني، فهذه المكونات تمثل جزءاً أصيلاً من النسيج العراقي، لكن الإشكالية تظهر عندما تنتقل رموز الجماعات إلى فضاء الدولة، فالدولة الحديثة ليست امتداداً لعشيرة ولا لطائفة ولا لمنطقة، بل هي مؤسسة محايدة يفترض أن يشعر جميع المواطنين داخلها بالمساواة الكاملة بغض النظر عن انتماءاتهم الخاصة.
ومن الناحية السوسيولوجية، فإن الألقاب والأزياء والرموز ليست عناصر محايدة، فهي تنتج معاني السلطة والهيبة والانتماء والتفاضل، وعندما تتكرر داخل المجال الرسمي، فإنها تكرس في اللاوعي الجمعي فكرة أن المجتمع مكون من مراتب وجماعات متمايزة، لا من مواطنين متساوين أمام القانون.
ولعل من أبرز المؤشرات على عمق هذه الظاهرة أن كثيراً من المسؤولين والشخصيات العامة باتوا يقدمون أنفسهم من خلال انتماءاتهم الفرعية قبل صفاتهم الوطنية، وحين يستخدم المسؤول العام لقباً عشائرياً أو مناطقياً أو مذهبياً ملحقاً باسمه الرسمي، فإنه لا يقدم نفسه باعتباره ممثلاً للدولة فقط، بل باعتباره ممثلاً لهوية جزئية أيضاً، وهنا تتراجع المواطنة خطوة إلى الخلف وتتقدم الهويات الفرعية خطوة إلى الأمام.
ومن هذا المنطلق، فإن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يبدأ من أعلى هرم السلطة. فإذا كانت الدولة جادة في بناء هوية وطنية جامعة، فعليها أن تقدم نموذجاً مختلفاً في الخطاب والسلوك والرموز، فلا يستخدم المسؤول في المراسلات والمنصات الرسمية سوى اسمه المدني وصفته الوظيفية، ولا تعتمد المؤسسات العامة سوى الرموز الوطنية والأزياء الوظيفية التي تعبر عن الدولة لا عن الجماعات.
وعليه، فإننا ندعو الحكومة العراقية ومجلس النواب وجميع مؤسسات الدولة إلى تبني مشروع وطني لإعادة تنظيم الخطاب الرسمي على أسس مدنية حديثة، يتضمن منع استخدام الألقاب العشائرية والدينية والمناطقية والاجتماعية في المخاطبات الرسمية، والاكتفاء بالاسم والصفة الوظيفية أو العلمية المعترف بها قانونياً.
كما ندعو إلى اعتماد مبدأ الحياد الرمزي داخل مؤسسات الدولة، بحيث لا تكون الأزياء والرموز والإشارات المستخدمة في الفضاء الرسمي معبرة عن انتماءات فرعية، بل عن هوية الدولة ومؤسساتها حصراً.
فالمواطن حين يدخل مؤسسة عامة يجب أن يشعر بأنه أمام دولة، لا أمام تمثيلات رمزية لجماعات متعددة.
إن العراق لن ينتقل إلى مرحلة الدولة الحديثة ما لم يتحرر المجال العام من هيمنة الانتماءات الفرعية. فالدولة التي تنتج القادة الوطنيين هي الدولة التي تجعل المواطنة أعلى من اللقب، والقانون أعلى من الجماعة، والهوية الوطنية أوسع من جميع الهويات الأخرى.
ولهذا، فإن الخطوة الأولى في طريق بناء العراق الحديث قد تبدو بسيطة، لكنها عميقة الأثر: “أن يعود الجميع داخل مؤسسات الدولة إلى اسم واحد يجمعهم، وزِيٍ رمزي واحد يوحدهم، كمواطنين بثقافة عراقية جامعة”.


