السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • الإنسان أعظم ممثل في تاريخ الأرض
- رأي ومقالات

الإنسان أعظم ممثل في تاريخ الأرض

بسام البديري لا أخشى الإنسان حين يحمل سلاحًا بل أخشاه حين يحمل وجهًا لا يشبهه. لقد علّمنا التاريخ أن الوحوش كانت تعيش في الغابات لكن الأدب العالمي اكتشف أن أخطر الوحوش تسكن خلف الابتسامات. لم يكن دوستويفسكي يبحث عن المجرمين في الشوارع بل في أعماق الضمير ولم يكن كافكا يخشى السجون بقدر ما كان يخشى […]

بسام البديري

لا أخشى الإنسان حين يحمل سلاحًا بل أخشاه حين يحمل وجهًا لا يشبهه.

لقد علّمنا التاريخ أن الوحوش كانت تعيش في الغابات لكن الأدب العالمي اكتشف أن أخطر الوحوش تسكن خلف الابتسامات.

لم يكن دوستويفسكي يبحث عن المجرمين في الشوارع بل في أعماق الضمير ولم يكن كافكا يخشى السجون بقدر ما كان يخشى أن يتحول الإنسان إلى كائن لا يعرف نفسه بينما كان ألبير كامو يرى أن العبث لا يبدأ عندما يفقد الإنسان معنى الحياة بل عندما يعتاد تمثيلها..

نحن لا نعيش في عالم من الكاذبين بل في مسرحٍ من الممثلين.

كل صباح يرتدي الإنسان شخصية جديدة ففي العمل شخصية وفي البيت شخصية وعلى مواقع التواصل شخصية أخرى حتى أصبح الوجه الحقيقي هو القناع الوحيد الذي لم يعد أحد يرتديه..

المجتمع لا يكافئ الصادق بل يكافئ الممثل المتقن.

ولهذا أصبح النجاح في كثير من الأحيان لا يحتاج إلى موهبة بل إلى قدرة استثنائية على إخفاء الحقيقة.

إننا نُربي أبناءنا على أن يكونوا مقبولين لا أن يكونوا حقيقيين…

نخاف من الإنسان الصريح لأنه يكشف هشاشة المسرحية التي نشارك جميعًا في تمثيلها.

قال جورج أورويل إن أخطر أنواع السلطة هي التي تجعل الناس يصدقون الكذبة وهي أمام أعينهم.

أما اليوم فقد تطورت المأساة لم نعد نصدق الكذبة فحسب بل أصبحنا ندافع عنها لأنها تمنحنا راحة نفسية أكثر من الحقيقة..

الحقيقة مرهقة.

إنها تُسقط الأقنعة وتُجبر الإنسان على مواجهة نفسه ولذلك يهرب منها معظم الناس كما يهربون من المرآة بعد سنوات طويلة من خداع الذات.

كتب ميلان كونديرا أن الإنسان لا يحتمل خفة الكائن لكنني أعتقد أن الإنسان لا يحتمل ثقل الصدق أيضًا.

فالصدق مسؤولية أما التمثيل فهو أكثر راحة لأنه يمنحنا فرصة أن نكون كل شيء… إلا أنفسنا.

وربما لهذا السبب كتب وليام شكسبير عبارته الخالدة

(الدنيا مسرح والرجال والنساء جميعًا ممثلون..)

لم يكن يقصد المسرح بمعناه الفني بل كان يصف مأساة الإنسان الذي يتنقل بين الأدوار حتى ينسى وجهه الأول.

وبعد مرور قرون لا تزال هذه العبارة أكثر حداثة من كثير من الكتب المعاصرة لأن الإنسان ازداد براعة في التمثيل حتى أصبحت حياته سلسلة من العروض المتواصلة.

أما الفيلسوف والكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين فقد كان يرى أن الإنسان يعرف كيف يتحدث عن الفضيلة أكثر مما يعرف كيف يعيشها.

وهذه الفكرة تكشف لنا أن المشكلة ليست في ندرة الأخلاق بل في وفرة الحديث عنها.

فكلما ارتفع صوت الشعارات ازداد احتمال غياب الحقيقة.

ولم يكن ليف تولستوي بعيدًا عن هذا التصور حين صوّر في رواياته الإنسان ممزقًا بين صورته أمام المجتمع وحقيقته في أعماقه.

لقد فهم أن أعظم المعارك ليست تلك التي تقع في ميادين الحرب بل تلك التي تدور داخل النفس حيث يتصارع الضمير مع المصلحة والصدق مع الرغبة في القبول.

ويأتي هرمان هيسه ليضيف بُعدًا آخر حين جعل أبطاله يبحثون عن ذواتهم لا عن انتصاراتهم.

فالإنسان في نظره لا يصبح حرًا عندما ينتصر على الآخرين بل عندما ينتصر على النسخة المزيفة التي صنعها لنفسه.

وربما كان الفيلسوف فريدريك نيتشه أكثر جرأة عندما دعا الإنسان إلى تحطيم الأصنام لكن أخطر الأصنام ليست تلك المصنوعة من الحجر بل تلك التي نسكنها نحن صورة الإنسان المثالي التي يفرضها المجتمع علينا حتى نكف عن رؤية حقيقتنا.

إننا اليوم نعيش عصرًا أصبح فيه التمثيل فضيلة اجتماعية. السياسي يمثل النزاهة والتاجر يمثل الأمانة والمثقف يمثل الاستقلال والعاشق يمثل الإخلاص وحتى الضحية قد تمثل الألم.

وما بين كل هذه الأدوار يختفي الإنسان الحقيقي بصمت.

ولعل أخطر ما في هذا العصر أن الكذب لم يعد يحتاج إلى مهارة بل إلى تكرار.

فما يُقال آلاف المرات يتحول إلى حقيقة في نظر الجماهير حتى وإن كان باطلًا.

ولهذا لم تكن رواية أورويل مجرد عمل أدبي بل كانت تحذيرًا من زمن تصبح فيه اللغة أداة لإخفاء الحقيقة بدلًا من كشفها.

لقد أدرك الأدب العالمي منذ قرون أن الإنسان لا يخشى الموت بقدر ما يخشى انكشافه. ولذلك يظل منشغلًا بتجميل صورته أكثر من تهذيب روحه وببناء سمعته أكثر من بناء شخصيته.

وربما لهذا السبب أصبحت الروايات أكثر صدقًا من الأخبار وأصبح الشعر أكثر واقعية من الخطب لأن الأدب لا يحاول أن يُجمّل الإنسان بل يفضحه.

إن الحضارة لا تُقاس بعدد الأبراج ولا بسرعة الإنترنت بل بعدد الأشخاص الذين يستطيعون أن يعيشوا بوجه واحد.

وقد نصل يومًا إلى مرحلة يتطور فيها الذكاء الاصطناعي وتغزو الآلات كل تفاصيل حياتنا لكن السؤال سيبقى كما هو

(هل استطاع الإنسان أن يتعرف إلى نفسه؟..)

إن التكنولوجيا قد تكشف أسرار الكون لكنها لن تكشف حقيقة الإنسان إذا ظل مختبئًا خلف أقنعته.

كان سقراط يقول إن الحياة التي لا تُفحَص لا تستحق أن تُعاش.

وربما يمكننا اليوم أن نضيف والحياة التي تُعاش بقناع دائم لا تُعاش أصلًا.

وحين يأتي يوم يصبح فيه الإنسان قادرًا على الوقوف أمام العالم بملامحه الحقيقية دون خوف من الرفض أو الخسارة عندها فقط يمكن أن نقول إن البشرية خرجت من عصر التمثيل ودخلت عصر الإنسان.

فربما لم تكن أعظم مأساة في تاريخ البشر أنهم عرفوا كيف يكذبون بل أنهم مع مرور الزمن صدّقوا الشخصيات التي اخترعوها لأنفسهم حتى أصبح الوجه الحقيقي غريبًا عن صاحبه وأصبح العثور على إنسان يعيش بصدق أعظم من العثور على كنز…

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026