
عذراء فالح
لم تكن المرأة عبر التاريخ مجرد نصف المجتمع، كما يردد الخطاب الشعبي المبتذل، بل كانت الميزان الخفي الذي توزن به أخلاق الأمم ومدى تقدمها أو تخلفها. حين تُكرَّم المرأة وتُؤتَى حقوقها كإنسان مستقل بذاته، تزدهر المجتمعات؛ وحين تُختزل في جسد أو أداة أو رمز تزييني، فإن المجتمع بأسره يسير نحو الانحدار. لكن الإشكالية الأكثر تعقيداً في واقعنا الراهن، وبخاصة في المجتمعات العربية والعراقية، هي تلك التي تظهر حين تتحول المرأة إلى أداة بيد السلطة الذكورية، ليس لقمعها فقط، بل لتلميع صورة الرجل وإضفاء شرعية زائفة على هيمنته، وفي الوقت نفسه تُستلب إرادتها وتُسرق ذاتها تحت شعارات برّاقة كـ”تحرير المرأة” و”تمكينها”، لتتحول في المحصلة إلى سلعة رخيصة، أو إلى نسخة مشوّهة من الرجل تفقد هويتها الأنثوية الأصيلة، فتصبح سبباً في انهيار المجتمع عوضاً عن بنائه.
أولاً: المرأة كواجهة لتلميع السلطة الذكورية
في الأنظمة الأبوية المستبدة، سواء كانت سياسية أم اجتماعية، تُوظَّف المرأة كأداة دعائية لإظهار زيف الحداثة والتطور. نرى ذلك جلياً حين تُصطف نساء بعينهن في المنابر الرسمية، مرتديات أزياء “عصرية” أو حاملة شهادات عليا، ليكون حضوره دليلاً على أن النظام منح المرأة حقوقها، بينما تُترك القرارات المصيرية في أيدي الرجال، وتُقصى النساء الأخريات من مجالات التأثير الحقيقي. هذا التوظيف لا يهدف إلى تمكين المرأة، بل إلى شراء سكونها واستخدام صورتها درعاً ضد انتقادات التخلف والتمييز. فالمرأة في هذا السياق تصبح مرآة تعكس، ليس ذاتها، بل صورة الرجل الذي يريد أن يرى نفسه متحضراً، وهو في جوهره مستبد.
هذه المعضلة ليست جديدة، لكنها تأخذ أبعاداً أكثر خطورة حين تنتقل من المجال السياسي إلى الاجتماعي والثقافي، حيث تُضغط المرأة لتكون قدوة في الطاعة والانصياع، وتُكافأ إذا رفعت من قيمة الرجل على حساب قيمتها الذاتية، وتُهمش إذا طالبت باستقلاليتها الحقة.
ثانياً: الحرية المزيّفة أو السلعة الرخيصة
إن أكثر ما يُروّج له باسم “حرية المرأة” في واقعنا المعاصر هو في حقيقته استنساخ ذكوري متجدد لمفهوم الحرية. كثيراً ما تُختزل الحرية في حق المرأة في السفر، أو العمل، أو ارتداء ما تشاء، بينما تُغفل الأبعاد الجوهرية للحرية: حرية الفكر، وحرية اتخاذ القرار المصيري في جسدها ومستقبلها، وحرية المشاركة السياسية الفاعلة، وحرية الاختلاف مع الإملاءات الذكورية. وهنا تكمن المفارقة: فحين يمنح الرجل المرأة بعض هذه “الحريات” السطحية، فإنه يمنحها إياها ليس لأنها حقوق أصيلة، بل لأنها تخدم راحته النفسية والاجتماعية. هي حريته هو فيها، وليست حريتها هي. وعندها تتحول المرأة إلى سلعة رخيصة تُباع وتُشترى في سوق النفوذ الذكوري؛ جسدها يُستهلك للإعلان عن منتج، وصورتها تُستغل لجذب الأنظار، وعقلها يُوظف لتبرير أخطاء الرجل، وكل ذلك يُغلف بغلاف براق يسمى “التحرر”.
وهذا هو أخطر أنواع القهر، لأنه قهر لا يظهر كقهر، بل كهدية. فالمرأة المستعبدة بهذه الطريقة لا تشعر بالعنف الموجّه إليها، بل تشعر بالامتنان، وهنا يكمن العمق المأساوي للخداع الاجتماعي.
ثالثاً: “استرجال” المرأة وهدم المجتمع من الداخل
المصطلح الذي أشرت إليه – وهو “تسترّجل المرأة” – يحمل في طياته إشكالية معقدة، ليست على المستوى اللغوي فحسب، بل على المستوى الأنطولوجي لهوية المرأة. فالمرأة ليست مطلوبة منها أن تتشبه بالرجل لتثبت جدارتها، فهذا هدم لخصوصيتها واعتزال لهويتها الجوهرية. إن ما يحدث فعلياً في المشهد الثقافي والاجتماعي هو أن المرأة تُدفع دفعاً نحو تبني آليات ذكورية في التعامل مع السلطة والعمل والعلاقات، كأن تكون قاسية، متسلطة، جامدة المشاعر، حادة في المنافسة، لأن النظام يخبرها أن هذه هي صفات النجاح. وبهذا تُجرد من رقتها، ومن حكمتها، ومن قدرتها على الاحتواء والحوار، وتُصنع على صورة نمطية ذكورية تخدم النظام الذي يريد جنوداً، لا شركاء.
وهنا يحدث الانهيار المجتمعي حقاً، لأن المرأة حين تتحول إلى “رجل ثانٍ”، يفقد المجتمع توازنه الطبيعي. فالمرأة، في جوهرها الإنساني العميق، ليست نداً للرجل في المنافسة العبثية، بل هي مكملة له في الإنسانية. حين تُسلب المرأة نعومتها الفكرية والعاطفية، وتُجبر على لعب دور الرجل في القسوة والسيطرة، فإنها تصبح أداة هدم، ليس بفعلها هي، بل بفعل النظام الذي أعاد تشكيلها. الأسرة التي تفقد الأمومة الحانية، أو الزوجة الشريكة المتوازنة، أو الأخت الداعمة، هي أسرة تتحول إلى حلبة صراع، ومجتمع يفقد صلات العاطفة والتراحم يصبح مجتمعاً آيلاً للسقوط.
رابعاً: المرأة ليست عائدة لأحد إلا لذاتها
إن العنصر الجوهري الذي يغيب في كل هذه المعادلات المشوهة هو تحرير المرأة من التبعية للرجل، ليس بالمعنى العدائي، بل بالمعنى الاستقلالي الذاتي. المرأة ليست عائدة لأبيها، ولا لزوجها، ولا لأخيها، ولا حتى لابنها. هي عائدة لذاتها أولاً وأخيراً. أي وعي نسوي حقيقي يبدأ من هذه الحقيقة الوجودية البسيطة: أن للمرأة كياناً مستقلاً، وأحلاماً خاصة، ومصيراً لا يُملك إلا بيدها. حين تدرك المرأة ذلك، وحين يدركه المجتمع، لن تكون أداة لتلميع صورة الرجل، ولن تكون سلعة رخيصة، ولن تكون نسخة مشوهة من الرجل؛ بل ستكون ذاتاً فاعلة، تساهم في البناء الإنساني من موقعها الخاص، وتُثرى المجتمع برؤيتها المختلفة التي لا تغنيها رؤية الرجل ولا تستغني عنها.
نحو وعي متحرر من الاستلاب
إن انهيار المجتمعات لا يبدأ بسقوط الاقتصاد أو هزيمة الجيوش، بل يبدأ بانهيار القيم الإنسانية في علاقتها بالمرأة. فالمرأة ليست واجهة للسلطة ولا أداة لترميم صورة الرجل. دعوة اليوم ليست دعوة لتمرير رؤية ذكورية جديدة، ولا لصنع أنثى على مقاس الرجل. الدعوة هي لإعادة الاعتبار للمرأة كإنسانة كاملة، تمتلك حق الاختلاف، وحق الاستقلال، وحق الرفض، وحق البناء على طريقتها.
المجتمع الذي ينهض حقاً هو المجتمع الذي يقبل بوجود المرأة القوية الواعية بعيداً عن التبعية، والمجتمع الذي ينهار حقاً هو ذلك الذي يجعل من المرأة مرآة مشوهة تعكس أهواء الرجل، لا روحها وجوهرها. ولعل طريق الخلاص يبدأ باعتراف الرجل أولاً، ثم المرأة ثانياً، بأن حرية المرأة ليست هبة منه، بل هي أصل إنساني لا يسقط بالتقادم، ولا يبطل بالعرف، ولا يُصادر بالسلطة.


