في تطور يعكس تعقيد الأوضاع الإنسانية والأمنية في المناطق الحدودية بين العراق وتركيا، أفادت مصادر محلية، بأن السلطات العسكرية التركية وضعت مجموعة من الشروط المشددة للسماح بعودة مؤقتة لسكان تسع قرى حدودية في قضاء زاخو، التابع لمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق. تأتي هذه الخطوة بعد سنوات من النزوح القسري الذي طال عشرات القرى بسبب العمليات العسكرية التركية المتكررة ضد مواقع حزب العمال الكردستاني (PKK) في المنطقة، والتي أدت إلى تهجير واسع النطاق وتدمير جزئي للبنية التحتية في العديد من التجمعات السكانية.
أولاً: السياق الجغرافي والتاريخي للعمليات العسكرية في المنطقة
تقع منطقة زاخو في أقصى شمال غرب العراق، على مقربة من الحدود الثلاثية مع تركيا وسوريا، وتتميز بتضاريسها الجبلية الوعرة التي تشكل ملاذاً طبيعياً للجماعات المسلحة، وعلى رأسها حزب العمال الكردستاني، الذي يخوض صراعاً مسلحاً مع الدولة التركية منذ عقود. وقد شنت القوات التركية، خلال السنوات الماضية، سلسلة من العمليات البرية والجوية داخل الأراضي العراقية، بدءاً من عملية “النمر” و”المخلب” وغيرها، مما أدى إلى إنشاء مناطق عازلة وأكمنة عسكرية على طول الشريط الحدودي، وفرض قيود صارمة على حركة المدنيين في تلك المناطق.
وتشير التقديرات المحلية إلى أن أكثر من 21 قرية ضمن إدارة زاخو المستقلة قد شهدت نزوحاً كاملاً لسكانها منذ نحو ست سنوات، مع استمرار القصف المدفعي والغارات الجوية التي استهدفت، وفق الرواية التركية، “ملاذات ومواقع”، لكنها تسببت أيضاً بأضرار مادية جسيمة في المنازل والمزارع والبنى التحتية الأساسية (كالمدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه)، مما جعل العودة الطوعية الآمنة أمراً مستعصياً دون ضمانات دولية أو محلية.
ثانياً: تفاصيل الشروط التركية للعودة المؤقتة
وفقاً لما نقله كامران عثمان، العضو في منظمة “CPT” الأمريكية (وهي منظمة غير حكومية تعنى بمراقبة أوضاع حقوق الإنسان في مناطق النزاع)، فقد سمح الجيش التركي، في الآونة الأخيرة، لسكان تسع قرى فقط بالعودة المؤقتة، وهي: بازنكيرا، كوندوك، كرورك، كركرانك، بتروما، كلوك، مارسیس، ئلانش، وئيري، وجميعها تقع في منطقة بساغا الجبلية. وتضمنت الشروط، التي وُصفت بأنها “مشددة وغير مسبوقة”، النقاط التالية:
1. تحديد أوقات الدخول والخروج اليومي: يُسمح للسكان بدخول القرى ابتداءً من الساعة السادسة صباحاً وحتى السابعة مساءً فقط، مع منع البقاء داخلها خلال ساعات الليل، مما يحول دون استئناف الحياة الطبيعية أو ممارسة الأنشطة الزراعية والرعوية التي تتطلب أوقاتاً أطول.
2. حظر حمل الأسلحة: يشمل المنع حتى الأسلحة الخاصة بالصيد، مما يُقيّد قدرة السكان على حماية مواشيهم أو ممارسة نشاط الصيد التقليدي، وهو مصدر رزق رئيسي في تلك المناطق الجبلية.
3. الاكتفاء بحمل مؤونة يوم واحد فقط: وهو شرط يعكس نية السلطات التركية في عدم السماح بإعادة الاستقرار الدائم، بل يقتصر الأمر على زيارات نهارية محدودة الغرض.
4. تسجيل البيانات والهويات: عند نقاط التفتيش المنتشرة على مداخل القرى، يُطلب من كل عائد تسجيل بياناته الشخصية وهوياته الرسمية، مع إجراء فحص أمني دقيق لسجلاتهم، مع التهديد بإمكانية اعتقال من يُثبت ارتباطه بأي جهة مسلحة، وفقاً للمعايير التركية.
5. إلزام سائقي المركبات: يتحمل السائقون مسؤولية إعادة جميع الركاب إلى خارج المنطقة قبل حلول المساء، مع التهديد باتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين، مما يُحمّل المدنيين تبعات أمنية إضافية.
ثالثاً: التداعيات الإنسانية والقانونية
تثير هذه الشروط إشكاليات إنسانية وقانونية عديدة، لعل أبرزها:
– انتهاك مبدأ العودة الطوعية والكرامة الإنسانية: إذ تتعارض القيود الزمنية الصارمة مع مبدأ حرية التنقل وحق العودة إلى المساكن، المُكفولين بموجب القانون الإنساني الدولي، خاصة أن معظم السكان نزحوا بسبب العمليات العسكرية لا بسبب إرادتهم.
– التدمير المستمر للبنية الأساسية: إذ أشارت المصادر ذاتها إلى أن بعض تلك القرى لا تزال تعاني من آثار القصف والتدمير الممنهج للبيوت والمنشآت الزراعية، مما يجعل العودة المؤقتة دون إعادة إعمار مجرد إجراء رمزي لا يُلبي احتياجات النازحين.
– غياب الضمانات القانونية: فعدم وجود آلية تنسيق واضحة بين الجيش التركي والسلطات العراقية المحلية أو الاتحادية، يضع السكان في موقف قانوني هش، حيث لا توجد سُلطة مستقلة تُوثق الانتهاكات أو تتدخل لحماية المدنيين.
– تأثيرات نفسية واجتماعية: إذ إن سنوات النزوح الطويلة، بالإضافة إلى القيود الحالية، تخلق حالة من عدم الاستقرار النفسي وتفكيك الروابط الاجتماعية، خاصة بين الأطفال وكبار السن الذين عانوا من فقدان الممتلكات والتعليم والخدمات الصحية.
رابعاً: الموقف الرسمي العراقي والمواقف الدولية
لم يصدر حتى الآن بيان رسمي من الحكومة الاتحادية في بغداد أو حكومة إقليم كردستان حول هذه الشروط المحددة، لكن في مناسبات سابقة، كانت بغداد قد عبّرت عن “رفضها للانتهاكات المتكررة للسيادة العراقية” ودعت إلى “حلول دبلوماسية” مع أنقرة. من جهتها، عادة ما تبرر تركيا عملياتها العسكرية بأنها “دفاع عن النفس” بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، غير أن المجتمع الدولي، وخصوصاً الأمم المتحدة، يطالب بضمان حماية المدنيين والسماح بعودة النازحين بشروط إنسانية، دون أن تترجم هذه الدعوات إلى إجراءات ملزمة على الأرض.
تمثل شروط العودة المؤقتة التي فرضها الجيش التركي على قرى زاخو مؤشراً على استمرار حالة التوتر في المنطقة الحدودية، وغياب حل جذري يُنهي معاناة السكان النازحين منذ سنوات. وبدون تدخل دولي فاعل يُلزم الأطراف المعنية بإعادة الإعمار وضمان حق العودة الآمنة والدائمة، يبقى سكان هذه القرى رهائن لمعادلات أمنية لا تراعي البعد الإنساني. كما أن استمرار هذه الأوضاع قد يُغذّي مشاعر الغضب المحلي ويزيد من تأزّم العلاقات الثنائية بين بغداد وأنقرة، مما يجعل المنطقة مرشحة لمزيد من التصعيد، ما لم تُبذل جهود دبلوماسية جدية لوضع آليات مراقبة دولية تحمي المدنيين وتضمن احترام السيادة الوطنية والقانون الدولي الإنساني.



