السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • هرات تحت الاحتدام: اشتباكات بين طالبان ومتظاهرات مناهضات للحجاب وأسئلة مفتوحة حول مصير المعتقلين
- تقارير دولية

هرات تحت الاحتدام: اشتباكات بين طالبان ومتظاهرات مناهضات للحجاب وأسئلة مفتوحة حول مصير المعتقلين

شهدت مدينة هرات، غرب أفغانستان، مواجهات بين قوات الأنس التابعة لحركة طالبان ومتظاهرات احتججن على سياسات الحجاب الإلزامي. تطورت الأحداث بسرعة من احتجاز نساء بتهمة “مخالفة قواعد اللباس” إلى مظاهرة موسعة قُمعت باستخدام العنف، مما أسفر عن سقوط قتيل وجرحى، وعشرات المعتقلين بينهم نساء وفتيات. تأتي هذه الحادثة في سياق متصاعد من القيود التي تفرضها […]

شهدت مدينة هرات، غرب أفغانستان، مواجهات بين قوات الأنس التابعة لحركة طالبان ومتظاهرات احتججن على سياسات الحجاب الإلزامي. تطورت الأحداث بسرعة من احتجاز نساء بتهمة “مخالفة قواعد اللباس” إلى مظاهرة موسعة قُمعت باستخدام العنف، مما أسفر عن سقوط قتيل وجرحى، وعشرات المعتقلين بينهم نساء وفتيات. تأتي هذه الحادثة في سياق متصاعد من القيود التي تفرضها طالبان على النساء والفتيات منذ عودتها إلى السلطة في أغسطس/آب 2021، وتثير تساؤلات جدية حول طبيعة “تفسيرها للشريعة” وحقوق المرأة في البلاد.

أولاً: سياق الأحداث – من احتجاز إلى احتجاج عنيف

– وفقاً لتقارير متطابقة من مصادر محلية ودولية، بدأ التوتر عندما حاول مسؤولو “شرطة الأخلاق” (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) احتجاز نساء في منطقة جبريل بهرات، بزعم عدم التزامهن بقواعد الحجاب الإلزامي التي تشمل تغطية الوجه والجسم بالكامل.

– ما لبث أن تحول الحادث إلى تجمع احتجاجي، شاركت فيه نساء منتقبات، رافعات مطالب بحقوق المرأة وحرية اللباس. وبحسب روايات السكان، فإن بعض المستهدفات كن في الواقع ملتزمات بقواعد اللباس المطلوبة، مما يشير إلى أن الحملة قد تكون انتقامية أو ذات دوافع أوسع.

– قامت عناصر شرطة الأخلاق، بدعم من وحدات مسلحة تابعة لطالبان، بفضّ التجمع باستخدام الرصاص الحي والهراوات، ما أدى إلى مقتل شخص (هويته غير معروفة بعد) وإصابة عدد آخر. كما جرى اعتقال عشرات المتظاهرين، بينهم نساء وفتيات في سن المراهقة.

ثانياً: موقف سلطات طالبان – نفي وتبرير متزامنان

– امتنعت وزارة الداخلية في حكومة طالبان عن التعليق الرسمي على أنباء القتلى والجرحى والاعتقالات. بدلاً من ذلك، أصدر المتحدث باسم شرطة هرات بياناً مقتضباً وصف فيه التجمع بأنه “خلق حالة من التوتر” و”أربك النظام العام”، متهماً المشاركات بـ”معارضة الحجاب” الذي وصفه بـ”الواجب الديني”.

– من جهة أخرى، نفى رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هرات صحة تقارير الاعتقالات، مدعياً أن عمل المفتشين يقتصر على “تقديم التوجيه ونشر التوعية” حول الحجاب. هذا التناقض بين أقوال المسؤولين ووقائع الميدان يعزز فرضية وجود انقسام داخلي أو محاولة لتضليل الرأي العام.

– لم تنشر أي صور أو قوائم بأسماء المعتقلين، كما منعت وكالة “باختر” الحكومية (ذراع طالبان الإعلامية) نشر أي تفاصيل عن العنف أو الإصابات.

ثالثاً: هرات – مدينة التمرد الاجتماعي والثقافي

– تُعتبر هرات، تاريخياً، واحدة من أكثر المدن الأفغانية انفتاحاً وتنوعاً ثقافياً، حيث تأثرت بالحضارة الفارسية والهندية، وظلت لقرون ملاذاً للفن والأدب والصوفية. هذا الإرث جعلها معقلًا للمقاومة الثقافية ضد التطرف الديني المتشدد.

– منذ سيطرة طالبان، برزت هرات كمركز للاحتجاجات النسائية، حيث نظمت نساء المدينة وقفات متكررة أمام مبنى المحافظة ومقر الأمم المتحدة، مطالبة بإعادة فتح المدارس الثانوية للفتيات والسماح لهن بالعمل في القطاع العام.

– الحادثة الأخيرة تمثل تصعيداً نوعياً، لأنها المرة الأولى التي تستخدم فيها طالبان الرصاص الحي لتفريق مظاهرة نسائية مناهضة للحجاب تحديداً، وليس للمطالبة بالتعليم أو العمل.

رابعاً: قيود طالبان على المرأة – إطار عام

– منذ استلام السلطة، فرضت طالبان حزمة من القيود التي وُصفت دولياً بأنها “الفصل العنصري بين الجنسين” وأبعدت النساء عن الحياة العامة بشكل شبه كامل:

    – التعليم: منع الفتيات من الالتحاق بالمدارس الثانوية (الصفوف 7-12) والجامعات (قرار صدر في ديسمبر 2022).

    – العمل: منع النساء من العمل في معظم القطاعات الحكومية وغير الحكومية، باستثناء قطاعي الصحة والتعليم الابتدائي للإناث فقط.

    – الحركة: إلزام النساء بمرافق “محرم” للسفر لمسافة تتجاوز 72 كم، ومنعهن من ركوب الطائرات دون محرم.

    – المظهر: إلزام النساء بتغطية الوجه والجسم بالكامل، وعدم إبداء أصواتهن في الأماكن العامة (بما في ذلك تلاوة القرآن أو الأذان).

– يزعم مسؤولو طالبان أن هذه القيود “مؤقتة” لأسباب تقنية أو أمنية، غير أن مرور أكثر من عامين دون تغيير يُظهر أنها سياسات ثابتة.

خامساً: الموقف الدولي – إدانة متكررة بفعل محدود

– أعربت بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما) عن “قلقها البالغ” إزاء تقارير احتجاز النساء في هرات، ودعت سلطات طالبان إلى الكشف عن مصير المعتقلين وضمان سلامتهم.

– مع ذلك، لم تترجم هذه الإدانات إلى إجراءات عملية مؤثرة، حيث تتبنى معظم الحكومات الغربية نهج “المشاركة العملية” مع طالبان لتجنب كارثة إنسانية، وتمتنع عن فرض عقوبات قاسية خوفاً من انهيار الاقتصاد.

– من جهة أخرى، انتقدت منظمات حقوقية دولية (كـ”هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”) الصمت النسبي لدول الجوار (باكستان، إيران، الصين، روسيا) التي تتعامل مع حكومة طالبان كواقع مفروض.

إن أحداث هرات ليست مجرد حادثة أمنية محلية، بل اختبار جدي لكيفية تعامل طالبان مع المعارضة النسائية السلمية. استخدام القوة المميتة ضد متظاهرات يطالبن بأقل حريات اللباس – في مدينة تعرف بانفتاحها – يشير إلى أن الحركة غير مستعدة لتقديم أي تنازلات جوهرية في ملف المرأة. ومع استمرار العزلة الدولية وسياسة “الانتظار والترقب”، يبدو أن مشهد هرات الدامي قد يتكرر في مدن أخرى، ما لم تطرأ تغييرات جذرية على تفسير طالبان للشريعة أو على الرد الدولي.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026