السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  •  “نصرة الإسلام” تضع مليوني يورو ثمناً لرأس رئيس مالي وتدخل في “حرب مكافآت” مفتوحة مع المجلس العسكري
- تقارير دولية

 “نصرة الإسلام” تضع مليوني يورو ثمناً لرأس رئيس مالي وتدخل في “حرب مكافآت” مفتوحة مع المجلس العسكري

شهد مسرح العمليات في منطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً في مالي، تصعيداً غير مسبوق تمثل في دخول الأطراف المتصارعة في “حرب مكافآت” علنية. فبعد أيام قليلة من إعلان المجلس العسكري الحاكم في باماكو عن مكافآت مالية ضخمة لاعتقال أو “تحييد” قادة الجماعات المسلحة، ردت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة بإعلان مماثل، وضعت فيه […]

شهد مسرح العمليات في منطقة الساحل الأفريقي، وتحديداً في مالي، تصعيداً غير مسبوق تمثل في دخول الأطراف المتصارعة في “حرب مكافآت” علنية. فبعد أيام قليلة من إعلان المجلس العسكري الحاكم في باماكو عن مكافآت مالية ضخمة لاعتقال أو “تحييد” قادة الجماعات المسلحة، ردت جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة بإعلان مماثل، وضعت فيه مكافأة مالية تقدر بمليوني يورو (ما يعادل حوالي 2.3 مليون دولار) مقابل معلومات تقود إلى مكان وجود الرئيس المالي، آسيمي غويتا، وأركان حكمه العسكري. هذا التطور اللافت يعكس مرحلة جديدة وخطيرة من الصراع، تتجاوز فيها المواجهات العسكرية الميدانية إلى حرب نفسية واستخباراتية تهدف إلى تقويض الشرعية وزعزعة استقرار الدولة من الداخل.

أولاً: تفاصيل “حرب المكافآت” بين الطرفين

– مكافآت الحكومة المالية: قبل ساعات من إعلان الجماعة، كانت السلطات العسكرية في مالي قد كشفت النقاب عن مكافآت ضخمة لاعتقال أبرز قادة الجماعات المسلحة، وعلى رأسهم زعيم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إياد أغ غالي. حيث خصصت له مكافأة وصلت إلى ملياري فرنك أفريقي (CFA)، أي ما يعادل حوالي 3.5 مليون دولار أمريكي. كما شملت المكافآت مساعديه البارزين، أمثال “أمادو كوفا” الذي قُدّرت المكافأة للحصول على معلومات عنه بنحو 2.5 مليون دولار، وقادة آخرين في الجبهة الانفصالية لتحرير أزواد (FLA). هذا الإعلان كان الخطوة الأولى التي سبقت الرد المباشر من الجماعة، حيث رأى مراقبون فيه محاولة من المجلس العسكري لاستباق الهجوم وتعزيز صورته في مواجهة التهديدات الأمنية.

– رد جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”: في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، أعلنت الجماعة المرتبطة بتنظيم القاعدة عن مكافآتها الخاصة، في بيان بثته عبر حساباتها ونشرته مجموعة “سايت إنتليجنس غروب” المتخصصة في رصد نشاط الجماعات المتطرفة. تضمن البيان المبالغ التالية:

    – 2 مليون يورو (2.3 مليون دولار) لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى تحديد مكان رئيس المجلس العسكري الحاكم، الجنرال آسيمي غويتا، الذي وصل إلى السلطة بعد انقلابين عسكريين في عامي 2020 و2021.

    – 1 مليون يورو (1.157 مليون دولار) لمن يدلي بمعلومات عن كبار المسؤولين العسكريين، وهما العقيد “لاسينا ديالو” والجنرال “مالك ديكو”.

    وجاء في الإعلان أن المكافأة ستدفع “لأي شخص يقدم معلومات تؤدي إلى تحديد مواقعهم أو يتخذ إجراءات ملموسة تؤدي إلى تحييدهم”، وهو ما يعكس نية واضحة لدى الجماعة بالتصعيد إلى مستوى الاغتيالات المباشرة لرموز الدولة.

ثانياً: خلفية الصراع: هجمات أبريل الدامية وتحالف الجماعات

تأتي هذه التطورات في أعقاب هجمات منسقة ومنظمة شهدتها مالي في شهر أبريل/نيسان 2026، والتي نفذتها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بالتحالف مع جبهة تحرير أزواد (FLA) التي تمثل القومية الطوارقية. تزامنت هذه الهجمات مع انسحاب القوات الفرنسية من مالي وتراجع الدور الأمني الغربي، مما خلق فراغاً أمنياً استغلته الجماعات المسلحة لتوسيع نطاق سيطرتها.

كان من أبرز نتائج هذه الهجمات:

1.  اغتيال وزير الدفاع: أسفرت الهجمات عن مقتل وزير الدفاع المالي، اللواء “ساديو كامارا”، في كمين استهدف موكبه العسكري قرب العاصمة باماكو. هذه الضربة الموجعة وجهت رسالة بأن الجماعة قادرة على ضرب قلب الدولة واستهداف أعلى مستويات القرار.

2.  توسع النفوذ الإقليمي: لم تقتصر العمليات على شمال مالي، بل امتدت لتشمل مناطق وسط البلاد والمناطق القريبة من العاصمة، مما أثار مخاوف حقيقية من انهيار الدولة المالية.

ثالثاً: جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” (JNIM): النشأة والقيادة

– التأسيس والأيديولوجيا: تأسست الجماعة في 2 مارس/آذار 2017، وكانت ثمرة اندماج أربع جماعات جهادية كبرى كانت تنشط في منطقة الساحل، وهي: “أنصار الدين” (Ansar Dine)، و”كتائب أبو بكر الصديق”، و”تنظيم المرابطون”، و”كتيبة مسينة”. بايعت الجماعة تنظيم القاعدة وتبنت أيديولوجية سلفية جهادية تهدف إلى إقامة “خلافة إسلامية” تحكمها الشريعة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا.

– القيادة: يتزعم الجماعة “إياد أغ غالي”، وهو قائد حرب وُلد عام 1958 في منطقة كيدال بشمال مالي. غالي هو قائد طارقي سابق تحول إلى الجهاد، وكان قد أسس عام 2012 جماعة “أنصار الدين” التي سيطرت على مدن تمبكتو وغاو في شمال مالي وفرضت فيها الشريعة. يُصنف غالي على أنه “أخطر مطلوب في منطقة الساحل”، وهو مطلوب أيضاً للمحكمة الجنائية الدولية (ICC) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

رابعاً: أزمة الشرعية وحرب الاستنزاف الاقتصادي

بعيداً عن الميدان العسكري، يستخدم الجانبان أسلوب “حرب الاستنزاف” لإضعاف بعضهما البعض:

– استراتيجية الحصار الاقتصادي لجماعة “نصرة الإسلام”: ابتكر إياد أغ غالي استراتيجية جديدة تعتمد على “الحصار الاقتصادي” بدلاً من المواجهات المباشرة فقط. حيث تقوم الجماعة بقطع الطرق الرئيسية بين مالي والدول المجاورة، واستهداف خطوط الكهرباء وصهاريج الوقود. الهدف من هذا الحصار هو جعل الحياة مستحيلة على سكان العاصمة باماكو، وخلق أزمة إنسانية واقتصادية تدفع المواطنين إلى الثورة ضد المجلس العسكري. وقد نجحت هذه الإستراتيجية بالفعل في يوليو/تموز 2025، حيث أوقفت الجماعة إمدادات الوقود إلى مالي مما أدى إلى شلل في الحركة وإغلاق المدارس. ثم وقعت هدنة غير رسمية لتخفيف الحصار، لكن سرعان ما انهارت بعد أيام بتجديد الجماعة هجماتها على قوافل الوقود.

– تفكيك الدولة المالية: من جهة أخرى، يواجه المجلس العسكري بقيادة الجنرال غويتا تحديات هائلة في بسط سيطرته، خاصة بعد حله للأحزاب السياسية وترحيله للقوات الفرنسية واستقدامه لمرتزقة مجموعة فاغنر الروسية (التي أصبحت تُعرف بالفيلق الأفريقي). في يوليو/تموز 2025، أعلن المجلس العسكري منح غويتا فترة رئاسية مدتها 5 سنوات قابلة للتجديد دون انتخابات، مما عمق الأزمة الدستورية والمشروعية الداخلية والدولية.

ما يحدث في مالي اليوم ليس مجرد صراع عسكري تقليدي، بل هو حرب وجودية على مستقبل الدولة ذاتها. إن دخول الأطراف في “حرب مكافآت” علنية يعكس تآكل أي قواعد للعبة السياسية أو الأخلاقية. ومع استمرار الجماعة في فرض حصارها الاقتصادي وتصعيدها الدموي، واستمرار المجلس العسكري في تعنتة السياسية وتشبثه بالسلطة، يبدو أن مالي تسير بخطى متسارعة نحو الهاوية، لتتحول من “دولة فاشلة” إلى “دولة منهارة” تماماً، وهو ما سينعكس حتماً على استقرار منطقة الساحل بأكملها وشمال وشرق أفريقيا.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026