السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • جدلية حصر السلاح في العراق: بين إعلان الفصائل “فك الارتباط” ومعضلة آليات التسليم واندماج العناصر
- تقارير محلية وإقليمية

جدلية حصر السلاح في العراق: بين إعلان الفصائل “فك الارتباط” ومعضلة آليات التسليم واندماج العناصر

مع بدء الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة محمد الزيدي بتنفيذ بنود منهاجها الحكومي الذي يضع “حصر السلاح بيد الدولة” في صدارته، يشهد المشهد السياسي والأمني العراقي تحركات متسارعة من قبل بعض الفصائل المسلحة. تأتي هذه التحركات، التي أعلن بعضها الشروع بـ “فك الارتباط” عن الأطر السياسية والعسكرية، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات الجوهرية حول ثلاثة محاور […]

مع بدء الحكومة العراقية الجديدة، برئاسة محمد الزيدي بتنفيذ بنود منهاجها الحكومي الذي يضع “حصر السلاح بيد الدولة” في صدارته، يشهد المشهد السياسي والأمني العراقي تحركات متسارعة من قبل بعض الفصائل المسلحة. تأتي هذه التحركات، التي أعلن بعضها الشروع بـ “فك الارتباط” عن الأطر السياسية والعسكرية، في وقت تتصاعد فيه التساؤلات الجوهرية حول ثلاثة محاور رئيسية: مصير الأسلحة غير النظامية، والآليات العملية لتسليمها، وطبيعة اندماج عناصر هذه الفصائل داخل مؤسسات الدولة الرسمية.

أولاً: الإعلانات الرسمية لفك الارتباط: دوافع وأبعاد

– أعلنت حركة “عصائب أهل الحق”، عن تشكيل لجنة مركزية للإشراف على تنفيذ إجراءات فك ارتباط تشكيلاتها العسكرية ضمن هيئة الحشد الشعبي. وجاء في بيان الحركة أن هذه الخطوة تأتي “انسجاماً مع دعوة المرجعية الدينية وقرار الإطار التنسيقي”، وتأكيداً لتوجه أمينها العام السابق (قيس الخزعلي) بشأن حصر السلاح.

– سبق هذه الخطوة، إعلان زعيم “التيار الوطني الشيعي”، مقتدى الصدر، عن فك ارتباط “سرايا السلام” به وإلحاقها بالدولة، وهو ما لقي ترحيباً حكومياً واسعاً.

– من جهة ثانية، فوّض “الإطار التنسيقي” (الكتلة السياسية الأكبر) رئيس الوزراء باتخاذ القرارات الكفيلة بحفظ المصالح العليا، وأعلن تأييده المطلق لمشروع حصر السلاح وفصل الحشد الشعبي عن العمل الحزبي والسياسي والاجتماعي.

ثانياً: التساؤلات المركزية حول آليات التسليم ومصير السلاح

على الرغم من هذه الإعلانات، يظل الغموض يلف الآلية العملية لتسليم السلاح، وهو ما تثيره الأوساط الأكاديمية والسياسية في شكل التساؤلات التالية:

1.  طبيعة السلاح وتسليمه: ما هو نوع الأسلحة المشمولة بالتسليم؟ هل تشمل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة (الدرون) والأسلحة الثقيلة، أم تقتصر على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة؟

2.  جهة التسليم: لمن ستسلم هذه الأسلحة؟ هل إلى وزارتي الدفاع والداخلية، أم إلى قيادة عمليات بغداد، أم إلى هيئة الحشد الشعبي بعد “تطهيرها” من الولاءات الحزبية؟

3.  مصير العناصر* هل ستبقى التشكيلات المسلحة بهيكليتها الحالية وتُدمج كألوية أو أفواج ضمن القوات المسلحة، أم سيتم توزيع عناصرها على مفاصل القوى الأمنية المختلفة (الجيش، الشرطة، مكافحة الإرهاب)؟ وما هو سلم الرواتب والتراتب الوظيفي الجديد لهم؟

ثالثاً: العوائق والتحديات: مواقف معارضة وضغوط دولية

– الموقف المعارض: لم تلتزم كل الفصائل بنفس النهج؛ إذ أبدت “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” تحفظات واضحة، مؤكدة أن “سلاح المقاومة” ليس ضمن ما يشملهم قرار حصر السلاح، معتبرة أنه خط أحمر للردع ضد الاحتلال والوجود الأجنبي. هذا الموقف يشير إلى احتمال تشكله تحالف من الفصائل “الرافضة” أو “المستثناة” مما قد يؤدي إلى أزمة ثقة مع الحكومة.

– الضغط الأمريكي: تقوم الولايات المتحدة بتكثيف ضغوطها الدبلوماسية والاقتصادية على بغداد، واضعةً دعمها للحكومة العراقية الجديدة في مقابل شرطين أساسيين: إبعاد الفصائل المسلحة عن مؤسسات الدولة، وإنهاء دورها العسكري. وقد سبق لواشنطن أن فرضت عقوبات على قيادات بارزة في “عصائب أهل الحق” وأدرجتها على قوائم الإرهاب، كما تستمر التهديدات باستخدام “الورقة الاقتصادية” لدفع الحكومة نحو إجراءات أكثر صرامة.

رابعاً: السياق التاريخي وأهمية التوافق الوطني

تعود جذور غالبية هذه الفصائل إلى مرحلة ما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث نشأت في ظل فراغ أمني وسياسي. ثم توسعت نطاقياً وعسكرياً بعد فتوى الجهاد الكفائي عام 2014 لمواجهة تنظيم “داعش”، مما منحها شرعية شعبية ومكانة سياسية. ولذلك، يرى محللون استراتيجيون أن نجاح ملف حصر السلاح يتوقف، قبل أي شيء، على:

1.  توافق سياسي وطني حقيقي بين جميع الأطراف، بما فيها الفصائل التي تبدو معارضة، لتجنيب البلاد صراعاً داخلياً.

2.  وضع جدول زمني واضح وآليات تفصيلية للتسليم والدمج، وليس مجرد بيانات نوايا عامة.

3.  معالجة مكامن الخلل في قانون هيئة الحشد الشعبي (رقم 40 لسنة 2016) لضمان خضوعها الكامل للقائد العام للقوات المسلحة.

يمثل مسار حصر السلاح في العراق محطة مفصلية لاختبار قدرة الدولة على فرض سيادتها الكاملة. إن تحويل إعلانات النوايا إلى إجراءات ملموسة، مع تجاوز العقبات الداخلية (الفصائل المعارضة) والخارجية (الضغوط الأمريكية)، سيكون المحدد الحقيقي لنجاح أو فشل هذا المشروع. وفي كل الأحوال، يبقى غياب استراتيجية متكاملة تجيب عن التساؤلات المتعلقة بـ “ماذا وأين ومتى وكيف” للتسليم، العائق الأكبر أمام تحويل هذا “التوجه” إلى “واقع” قانوني وأمني مستقر.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026