• Home  
  • رواية “أمل”، الجزء الثاني
- Uncategorized - أدب وفن

رواية “أمل”، الجزء الثاني

محمد الأمارة (قولي لزوجتك: نفسي على المهر المعلوم، والمدة المعلومة بيننا)، (بينما قال هو: قبلت زواجك). دخل عليها (عبد الحميد) خلسةً من الناس في الزقاق، ومن أولادها في الدار، وهي في الغرفة تخبي صورة زوجها المتوفى خلسةً عنه، وبعد ذلك ترفع الشرشف عن صورة زوجها السابق حال مغادرته فراشها وبيتها؛ حتى لا يشعر أولادها بما […]

محمد الأمارة

(قولي لزوجتك: نفسي على المهر المعلوم، والمدة المعلومة بيننا)، (بينما قال هو: قبلت زواجك).

دخل عليها (عبد الحميد) خلسةً من الناس في الزقاق، ومن أولادها في الدار، وهي في الغرفة تخبي صورة زوجها المتوفى خلسةً عنه، وبعد ذلك ترفع الشرشف عن صورة زوجها السابق حال مغادرته فراشها وبيتها؛ حتى لا يشعر أولادها بما يجري خلف ظهرهم، وإن كانوا صغارًا في العمر، لكن ذلك قد يحفر في مخيلتهم أشياء تبقى خالدةً طول العمر، وقد يشكل عندهم عقدةً من أمهم تسيء لها حين تصبح عجوزًا تحتاج عطفهم ورعايتهم لها.

عبد الحميد أمامها بشحمه ولحمه، وهو يخلع غترته وعرق جبينه من على رأسه، والشيب يملؤه. أمل تخلع عنه سترته التي يرتديها فوق ثوبه.

أمل: أراك اليوم متأخرًا في مجيئك إلينا حبيبي… هل نسيتنا بعد عودتك من صلاة الفجر في المسجد، وهمَمْتَ أن تدخل إلى بيت ضرتي سليمة في البيت الكبير؟ أم أنك وجدت أن إحدى النساء تراقب من يذهب ومن يجيء للحي؟… لا يهم… لا يهم… المهم أنك جئت… لكن يجب عليَّ أن أجهز لك الفطور قبل أن… قبل أن… يبدأ السباق… ولا بد لك من أن تتغذى جيدًا لتكون فحلاً قويًا وتفوز بالسباق… ودعك من هذه الحبة الملفوفة بالسيلفون وتدعي أنها حبة المزاج، فقد تقتلك يومًا ما وأنت ما زلت وسط السباق. والآن دعنا نعيش بعض اللحظات السعيدة في الحياة سويًّا”.

بابتسامة يستجدي بها جسدها المخملي الطري، وهو يتخيلها كلؤلؤة أو كعروس بحر خرجت منه لتوِّها.

عبد الحميد: صباح الخير قرة عيني (أمل)، ومسكن أنفاسي.

– يقترب منها أكثر.

أمل: اشتقت إليك حبيبي.. كاشتياق الورد للندى، والسماء للنجوم، والعصافير للشجر، والأرض للمطر. أشعر وأنا معك كمن تدفأت بالشمس وسط برد الشتاء. قربك عندي كمن ضاعت وسط غابة كبيرة وحالكة الظلام، وجئته تنقذها من وحوشها.

– يقترب منها ويلتصق جسده بجسدها وهو يحضنها بشوق شديد، ويقبل رقبتها وشفايفها بحرارة.

عبد الحميد: هيا بنا يا حبيبتي إلى فراشِنا يا زينة النساء، فعطر جسدك قد تغلغل إلى دواخلي وشلَّ أنفاسي.

أمل: نعم.. لكن قبلها… عليه… أن… أن…

– عبد الحميد يبدأ يقبل رقبة (أمل) المتراقصة أمام قُبَلاته يمينًا وشمالًا. ثم تتوقف حركتها الراقصة فجأةً. تصبح صورة زوجها المتوفى أمام عينها. تحدق إليه بتمعن كأنها تراه أول مرة حين وقع الشرشف الذي يغطي صورته. تخاطبه بهمس كلمات مع نفسها، وأفكارها مشتتة من خلف ظهر عبد الحميد وهو منهمك بالقبلات وشم رائحة جسدها المغرية له.

أمل: ((مالي أراك ساكتًا لا تتكلم… هل هو الخجل أم الغضب؟ ليس لك وقعٌ في المكان، وليس لك أي أصداء… ها.. لقد نسيتَ أنت ميت. كباقي رجال عمومتي ورجال الحي… لكنك لا تبالي في منامي وتوقظني بين الغفوات التي لا تراودني إلا بعض اللحظات. والآن، دعني أمكّن عبد الحميد أن يعيش هذه اللحظات التي سرقت منك مكرهًا ولست راغبًا. حقوقك تسلب منك قسرًا، وأنت تقف خلف هذا الإطار الخشبي المتهالك بصمت مطبق مخجل. متى تكسره وتعبر عن غضبك؟ متى تثأر ممن سرقوا أحلامك وممن قتلوك… وقتلوني؟ أتمنى أن يأخذني الموت معك لنعيش معًا في ذلك العالم، فربما الموت هو أفضل من العيش وسط الأحياء. وحوش كاسرة، يتلذذون بعذابات الآخرين… عذرًا عليَّ أن أغادرك… عليَّ أن أذهب لمخدع آخر، عليَّ أن أراعي خواطر… عليَّ أن أبتسم لغيرك… وأتودد إلى من جاء بعدك. فقد انتهى دورك، وجاء دور الآخرين)).

(أمل) تعيد الشرشف على صورة زوجها المتوفى دون أن يلاحظ عبد الحميد ذلك، وتعود (أمل) بأفكارها إلى (عبد الحميد). وهي تهوي على السرير بظهرها كمن هوى من أعلى برج عالٍ نحو منحدر شديد. تتلقفه أمواج بحر وتغوص به وسط عمقه اللُّجِّيِّ. ليس له قعر أو نهاية. تداعبك فيه أشياء مبهمة، تلسع في كل جسدك الرخو الذي لا يحتمل قرصة بعوضة، فما بالك بلسعة رجل سبعيني قد هوى فوق لحمها وغرز فحولته بين طيات روحها وأحاسيسها المرتعبة والمنكسرة. سرحت مع الذكريات وبدأت تكلم روحها بصمت.

أمل: كانت كل أيامي كذلك منذ أن كنت طفلة، وأمي تسمعني أغانيها وهي تحاول أن أغفو بنوم عميق هادئ لبعض الوقت لكي ترتاح هي وتنام بعض الشيء، فقد أتعبها سهر الليل الطويل وهي تحاول أن تتفهم سبب بكائي طوال الليل. لم أكن أشكو من شيء وأنا بحضنها، لكني كنت أريدها أن تبقى بجانبي ولا تفارقني، فقد كنتُ رغم حداثة ولادتي أريد أن أشبع من حنانها الذي قد يقارقني في أي لحظة.

– الوقت يمضي، وبدأت (أمل) تشعر بزوال سخونة جسد عبد الحميد تدريجيًّا، وصوت أزيزه الصاخب قد اختفى، الذي كان لم يتوقف طوال ربع ساعة من الوقت وهما معًا فوق السرير المرتجف تحتهما. عمَّ السكون بعدها في الغرفة، بينما سمعت صوت زوجها المتوفى من خلف الشرشف وهو يوقظها من أحلامها التي غفت بها لدقائق.

الصورة: أمل، عليك أن تتداركي حالك، فقد جاءت المنية مسرعةً بلا هوادة.

– انتفضت (أمل) وهي تكلم (عبد الحميد) وهي لم تفهم مراد زوجها السابق.

أمل: مالي أراك قد تجمدت فوق جسدي بلا حركة؟ أين أنفاسك التي دفأت جسدي العريان إلا من لحمك الذي غطاني؟

– لحظة سكوت تطبق في المكان، وبرودة بدت تسري إلى جسد (أمل) بدل الدفء الذي كان يلفها. وشعرت أن برد تشرين قد جاءها غفلةً من أمرها.

أمل: عبد الحميد، مالك تخشبت كجذع شجرة يابسة؟ أرجوك أن تتكلم حبيبي. ما الذي جرى؟… هل نمت في هذه اللحظات الساخنة؟!!

حاولت أن ترفع جسده عن جسدها لكنها لم تستطع لثقل جسده. جمعت كل قواها، وعضَّت على أسنانها وشفتيها حتى أزاحت جسد (عبد الحميد) الساكن وبلا أنفاس عن كاهلها الرقيق. نظرت إليه وعيناها شاخصتان إليه، وفمها مفتوح، ووضعت يدها عليه، قد صمتت الصرخة التي كانت ستطلقها وماتت في جوفها خوفًا من الفضيحة. هزَّت جسد (عبد الحميد) بقوة وهي تكلمه.

أمل: عبد الحميد، ما بك؟ ما الذي جرى لك؟… هل أُغْمي عليك؟… أخبرني أرجوك… رُدَّ عليَّ أتوسل إليك… لا… لا تتركني بهذا الموقف الصعب، بالله عليك، أسألك بكل كلمات الاشتياق التي قلتها لي وقلتها لك.

– بدأت تلطم خديها وتضرب رأسها بيدها، وهي في ذهول، غير قادرة على الكلام. انخرس لسانها، شعرها مبعثر، ووجهها قد انكمش، وتوقفت يداها عن الحركة. تنظر نحو مكان خروجها من الغرفة هي و(عبد الحميد)، وتشير بأصبعها نحوه بصعوبة.

أمل: إنه الصباح قد جاء… عبد الحميد، عليك أن تغادر مخدعي إلى حيث مخدعك في بيتك الكبير في الزقاق المجاور لزقاق بيتي، وإلا تستبطئك زوجتك الأولى، فقد تأخرت على عودتك إليهم وأنت تشتري الخبز الحار مني لهم.

– تتحرك نحو صورة زوجها المتوفى، وترفع عنه الشرشف الأبيض وتكلمه.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026