
عباس كامل
يمثل الاقتصاد العراقي حالة فريدة من الهشاشة البنيوية في المنطقة، حيث يعتمد على النفط بنسبة تصل إلى 97% من إيرادات الموازنة العامة. هذا الاعتماد شبه المطلق يجعل العراق عرضة بشكل خطير لأي اضطراب جيوسياسي أو هبوط في أسعار النفط. وقد أدى اندلاع الحرب الأمريكية على إيران في أوائل عام 2026 إلى سلسلة من التداعيات الاقتصادية العميقة، تمثلت في ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير ثم تذبذبها، وأزمة مالية وشيكة، وتوقف شبه كلي لجهود التنويع الاقتصادي التي كانت في بداياتها.
الاقتصاد العراقي في عين العاصفة – تأثير الحرب على إيران
شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، وما تلاها من ردود إيرانية أدى إلى تداعيات اقتصادية عالمية وإقليمية عميقة. بالنسبة للعراق، كان التأثير الأكثر فورية هو الارتفاع الحاد في أسعار النفط. فقد قفز سعر البرميل من نحو 75 دولاراً قبل اندلاع الحرب إلى أكثر من 106 دولارات في خضم العمليات العسكرية، مع تذبذب حاد تبعاً لتطورات الميدان وتصريحات الأطراف المتحاربة.
من الناحية النظرية، يُفترض أن يكون هذا الارتفاع في الأسعار “نعمة” لبلد يعتمد ميزانيته على تصدير النفط الخام. فكل دولار إضافي في سعر البرميل يعني مليارات الإيرادات الإضافية التي قد تُستخدم في التنمية أو سداد الديون أو بناء الاحتياطيات. لكن في حالة العراق، يتحول هذا “المنحى الإيجابي” إلى مصيدة بامتياز. فبدلاً من استثمار الفوائض المالية الطارئة في بناء اقتصاد منتج ومتنوع، تذهب الغالبية العظمى منها إلى تغطية النفقات الجارية (رواتب الموظفين الهائلة، الدعم الاستهلاكي، فواتير الاستيراد). والأخطر أن هذه الارتفاعات الطارئة تعزز “وهم الوفرة”، وتؤجل اتخاذ القرارات الصعبة المتعلقة بالإصلاح الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل. وفي اللحظة التي تنتهي فيها الحرب أو تهدأ وتنخفض الأسعار مرة أخرى، يعود العراق ليواجه ذات العجز والهشاشة ذاتها، بل ومضاعفة.
الأثر الأعمق والأخطر للحرب لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار، بل في اضطراب الإمدادات نفسها. من المتوقع أن يؤدي استمرار الحرب إلى تعطيل كامل أو جزئي لصادرات النفط من المنطقة، بما فيها صادرات العراق. وأي توقف أو تقليص كبير في تدفق النفط الخام سيترجم مباشرة إلى انقطاع حاد في تدفق العملة الصعبة إلى خزينة الدولة، وهو ما سينعكس سلباً وبشكل فوري على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية الداخلية والخارجية.
كما أن الحرب تكشف عن هشاشة لوجستية كبرى. العراق يفتقد أسطولاً وطنياً من ناقلات النفط ويعتمد بالكامل على الشركات الأجنبية في نقل صادراته، مما يجعله رهينة لقرارات شركات التأمين والممرات المائية الآمنة في زمن الحرب. في هذا المعنى، يتحول العراق من دولة مصدرة كبرى إلى اقتصاد مكشوف بالكامل أمام الجغرافيا، بدون بدائل لوجستية حقيقية لتصدير نفطه إذا ما تعطلت الممرات المعتادة.
أظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العراقي سجل انكماشاً بنسبة 6.8% في عام 2026، في تراجع حاد من نمو بلغ 3.1% في 2025. وهذا التراجع يعكس بشكل كبير حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب وتداعياتها. إلى جانب ذلك، يتوقع صندوق النقد أن يسجل العراق عجزاً في الحساب الجاري بنسبة 0.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، متراجعاً من فائض بلغ 3% في 2024.
معنى ذلك، بكل بساطة، أن الدولة تنفق أكثر مما تكسب من النفط (الذي يُشكل 97% من دخلها)، وتستنزف احتياطياتها النقدية أو تتراكم الديون لسد هذا العجز. وفي بيئة حربية مضطربة، يصبح الاقتراض الخارجي إما مستحيلاً أو بفوائد مرتفعة جداً. وهكذا تجد الحكومة العراقية نفسها محاصرة بين مطرقة تراجع الإيرادات بسبب اضطراب الصادرات، وسندان زيادة النفقات بسبب تداعيات الحرب (نزوح، تدمير بنى تحتية، حاجة لتعزيز الأمن).
ما تمر به الحرب الأمريكية-الإيرانية ليس سوى كاشف فوتوغرافي للتباين الصارخ بين إمكانيات العراق الطبيعية الهائلة (ثروة نفطية، أرض خصبة، موقع جيوسياسي استراتيجي، مياه) وهشاشته الاقتصادية الخارقة. العراق ليس فقيراً، لكن اقتصاده معطل. والحل ليس التفكير في عالم ما بعد الحرب، بل في العراق ما بعد النفط الأحادي.
الخروج من حالة “المجتمع الاستهلاكي” والدولة الريعية إلى “مجتمع منتج” هو تحدٍ ربما صعب لكنه ممكن. يستند إلى محورين متكاملين. التنويع الاقتصادي الفعلي من جهة، والإصلاحات الهيكلية في الحوكمة ومكافحة الفساد من جهة أخرى. الحلول المُقترحة أدناه ليست نظرية، بل مبنيّة على تجارب دول نجحت في فطام نفسها عن الريع، وعلى الإمكانيات المتاحة في العراق.
وللنهوض بالاقتصاد العراقي ثمة الكثير من الآليات والحلول التي يمكن اتباعها. ولعل أهمها هي:
– تحويل المصافي والمعامل المتوقفة إلى وحدات إنتاجية: ليس بالاعتماد على الموازنة العامة، بل عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص، تُقدّم حوافز للمستثمرين المحليين والدوليين لتشغيل هذه المصانع مقابل حصة من الأرباح.
– الصناعات التحويلية المرتبطة بالنفط: بدل تصدير النفط الخام، تطوير صناعات تكرير النفط، والبتروكيماويات، والأسمدة. الهدف هو تحويل جزء متزايد من النفط المُنتج إلى منتجات نهائية ذات قيمة مضافة أعلى.
– الصناعات الغذائية والنسيجية والإسمنتية: استغلال المواد الأولية المتوفرة محلياً لصناعات تخدم السوق المحلي وتُصدَّر في مرحلة لاحقة.
– التكامل مع الدول المجاورة: إنشاء مناطق صناعية حرة على الحدود مع إيران وتركيا والكويت والسعودية، لتكون مراكز إقليمية للتصنيع والتوزيع.
وكشفت الحرب عن نقطة ضعف أخرى، وهي الاعتماد شبه الكامل على النفط حتى لتوليد الكهرباء. الطاقة المتجددة ليست رفاهية بيئية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
يبدو أن العراق قد بدأ يتحرك ببطء في هذا الاتجاه. في مايو 2025، أطلق أول مجمع سكني مستقل بالكامل يعمل بالطاقة الشمسية، بالتزامن مع افتتاح محطة طاقة شمسية في القصر الحكومي بالعاصمة. وفي يونيو 2025، وقّعت وزارة الكهرباء اتفاقية ضخمة مع شركة أميركية بريطانية لتنفيذ مشروع طاقة شمسية بقدرة 3000 ميغاواط، في واحدة من أكبر صفقات الطاقة المتجددة في المنطقة. كما أعلنت الحكومة عن تخصيص 100 قطعة أرض لتنفيذ مشاريع طاقة شمسية، ضمن خطة لرفع إنتاج الطاقة الشمسية إلى 12 ألف ميغاواط.
لكن هذه المشاريع، وإن كانت واعدة، ما تزال محدودة بالمقارنة مع الاحتياج الهائل. التوسع في الطاقة المتجددة سيحقق أهدافاً عدة: تخفيف الاعتماد على الغاز والنفط في توليد الكهرباء (مما يحرر المزيد من النفط للتصدير)، خلق فرص عمل جديدة، وجذب استثمارات أجنبية.
بكل تأكيد أن الإصلاحات الهيكلية من أهم الشروط لنجاح أي خطة تنويع. ولن تنجح أي خطة تنويع دون حزمة إصلاحات جذرية تعالج التشوّهات البنيوية. هذه الإصلاحات هي الأصعب سياسياً، لكنها الأكثر تأثيراً:
أولاً – مكافحة الفساد بآليات رادعة: الفساد منهجي في العراق، وهو عدو التنويع الاقتصادي الأول. يجب تحويل مكافحة الفساد من مجرد خطابات إعلامية إلى برنامج ذي آليات واضحة: هيئات مستقلة للرقابة، قوانين تجريم قوية تطال كبار المسؤولين، حماية للمبلغين عن الفساد، وشفافية كاملة في عقود المشاريع الحكومية. بدون هذا، سيُسرق كل دولار يُستثمر في الزراعة أو الصناعة.
ثانياً – إصلاح منظومة الدعم الحكومي: نظام الدعم الحالي (دعم الطاقة والمواد الغذائية والأراضي) مكلّف جداً وغير مستهدف، ويذهب معظمه فعلياً للمستهلكين الأكثر ثراءً وأصحاب المصالح. إعادة هيكلة الدعم ليكون نقدياً ومستهدفاً للأسر الأشد فقراً سيوفر مليارات الدولارات سنوياً يمكن توجيهها للاستثمار الإنتاجي.
ثالثاً – تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمار الأجنبي المباشر: العراق يُصنف من بين أسوأ بيئات الأعمال في العالم بسبب البيروقراطية، غياب حماية حقوق الملكية، ضعف النظام القضائي، وعدم استقرار القوانين. معالجة هذه العوائق ستجذب الاستثمار المباشر الذي يحتاجه القطاع الخاص ليقود عملية التنويع.
رابعاً – تطوير رأس المال البشري: إصلاح نظام التعليم والتدريب المهني ليتوافق مع احتياجات الاقتصاد المُتنوع (زراعة حديثة، صناعات تحويلية، تكنولوجيا معلومات). الاستثمار في التعليم التقني والمهني هو الضمانة الوحيدة لتوفير يدي عاملة قادرة على تشغيل المشاريع الجديدة.
العراق ليس مجرد نفط
الورقة الأهم التي يجب على كل مسؤول عراقي وخبير اقتصادي وسياسي أن يقرأها بتمعن اليوم، هي أن العراق ليس محض حقول نفط، بل هو أرض زراعية خصبة، وموقع لوجستي استراتيجي، ويد عاملة ماهرة متعطشة للفرص، ومقومات سياحية وتاريخية وثقافية هائلة تستحق الاستثمار.
الحرب الأمريكية-الإيرانية الحالية، رغم قسوتها وعمق تداعياتها، قد تكون آخر جرس إنذار قبل فوات الأوان. يمكن استغلال هذه الأزمة من بين كل الأزمات السابقة لبناء إجماع وطني وإقليمي على بدائل حقيقية. زراعة تنتج غذاء آمن، صناعة تحقق قيمة مضافة، سياحة تُبرز عمق الحضارة، وطاقة متجددة تضمن الاستدامة.
البديل ليس نظرياً أو صعب التحقيق، لكنه يتطلب إرادة استثنائية لمواجهة مصالح الفساد الراسخة وكسر سلاسل الريع النفطي. إذا نجح العراق في اجتياز هذا الاختبار، فلن يكون قد نجا من أزمة حرب عابرة فحسب، بل سيصنع لأبنائه مستقبلاً اقتصادياً مستقلاً بذاته، غير مرهون بتقلبات الأسواق أو نيران الحروب. وإذا فشل، فسيظل أسير حلقة مفرغة من أزمات متكررة، يدفع ثمنها جيل بعد جيل. الخيار بين يدي الدولة العراقية. والخيارات، في نهاية المطاف، تصنع التاريخ.


