• Home  
  • كيف يمكن حث الحكومة العراقية على الاهتمام بالبيئة؟
- بيئة واقتصاد

كيف يمكن حث الحكومة العراقية على الاهتمام بالبيئة؟

عزيز محمد يمثل الوضع البيئي في العراق حالة فريدة من نوعها في المنطقة: أزمة بيئية متعددة الأبعاد (هوائية، مائية، زراعية) تتفاقم في ظل نظام حوكمة يعاني من ضعف بنيوي وفساد مستشري. سنحلل آليات الضغط والمساءلة التي يمكن من خلالها حث الحكومات العراقية المتعاقبة – رغم ضعفها – على تبني سياسات بيئية حد أدنى، مركزاً على […]

عزيز محمد

يمثل الوضع البيئي في العراق حالة فريدة من نوعها في المنطقة: أزمة بيئية متعددة الأبعاد (هوائية، مائية، زراعية) تتفاقم في ظل نظام حوكمة يعاني من ضعف بنيوي وفساد مستشري. سنحلل آليات الضغط والمساءلة التي يمكن من خلالها حث الحكومات العراقية المتعاقبة – رغم ضعفها – على تبني سياسات بيئية حد أدنى، مركزاً على ثلاثة محاور: خفض الانبعاثات الدخانية، التشجير، والإدارة المائية. وسنخلص إلى أن حل المعضلة البيئية في العراق يمر عبر تحويل القضايا البيئية من “رفاهية تنموية” إلى “تهديد أمني واقتصادي واجتماعي” يستدعي الاستجابة، مع استغلال نقاط ضعف النظام السياسي نفسها (كاللامركزية الفعلية، التنافس السياسي، والضغوط الدولية) كأدوات للضغط.

منذ أكثر من عقدين، يعيش العراق حالة من “الدولة الضعيفة” بكل مقاييس العلوم السياسية: مؤسسات هشة، قوانين غير نافذة، فساد جهازي، وأولوية مطلقة للملفات الأمنية والطائفية والسياسية على حساب التنمية. في هذا السياق، تُصنَّف القضايا البيئية عادة في قاع سلم الأولويات الحكومية. التلوث الهوائي في بغداد والبصرة يصل إلى مستويات خطيرة (تتجاوز أحياناً 10 أضعاف الحدود الآمنة لمنظمة الصحة العالمية)، وانبعاثات الغاز المصاحب في حقول النفط تُحرق دون معالجة، والغطاء النباتي يتقلص سنوياً، بينما تتفاقم أزمة شح المياه بسبب السياسات المائية التركية والإيرانية وإهمال البنى التحتية العراقية.

السؤال المركزي: كيف تحدث تغييراً في نظام لا يريد أن يتغير، ولا يعاقب على تقصيره؟

أولاً: تشخيص الشلل الحكومي – لماذا تهمل الحكومات العراقية البيئة؟

لفهم آليات التأثير، يجب أولاً فهم أسباب الإهمال:

1. أولوية البقاء السياسي: الحكومات العراقية – خاصة بعد 2003 – منشغلة بالحفاظ على التوازنات الطائفية والسياسية الهشة. قضايا كالخدمات الأساسية والأمن تتصدر الأولويات؛ البيئة تُعتبر “قضية طويلة الأمد” لا تمنح نقاطاً سياسية سريعة.

2. الفساد كحاجز منهجي: ملفات البيئة متصلة بعقود ضخمة (معالجة الغازات، محطات التنقية، مشاريع التشجير) وهي أرض خصبة للرشاوى والعمولات. الإبقاء على الوضع القائم يخدم شبكات المصالح التي تستفيد من استيراد المولدات الكهربائية الملوثة، أو من عدم تطبيق معايير الانبعاثات على المصانع.

3. غياب الضغط الشعبي المنظم: غياب مجتمع مدني قوي ومتخصص في البيئة، وضعف الثقافة البيئية المواطنية، يجعل تكلفة الإهمال البيئي على الحكومات شبه معدومة انتخابياً.

4. تداخل الصلاحيات: البيئة تتوزع بين وزارات (الصحة، النفط، الموارد المائية، الزراعة، البلديات) دون تنسيق، ودون جهة رقابية عليا ذات سلطة حقيقية.

ثانياً: تحويل البيئة من قضية تقنية إلى قضية أمنية واقتصادية

الطريق الأكثر فاعلية لحث حكومة ضعيفة على التحرك هو إعادة صياغة المشكلة البيئية بلغة تهديد مباشر لـ”البقاء السياسي” نفسه. ليس لأن الحكومات تريد الخير للشعب، بل لأنها لا تريد أن تفقد ما تبقى من شرعيتها.

 أ. الربط بين التلوث الهوائي والصحة العامة والأزمة الاقتصادية

الدخان الأسود المنبعث من محطات الطاقة والمصافي والمعامل يسبب أمراضاً تنفسية وسرطانية تثقل كاهل نظام صحي منهك أصلاً. يمكن استثمار ذلك من خلال:

– حملات رقمية موثقة: إنتاج تقارير مستقلة (بدعم من منظمات دولية) تربط بين معدلات دخول المستشفيات ومناطق معينة ومصادر تلوث محددة، ثم رفع هذه التقارير إلى البرلمان كهيئة “مساءلة صحية”.

– المطالبة بتعويضات صحية: تحويل الأمر إلى قضية حقوقية، حيث يمكن لعوائل الضحايا مقاضاة الدولة أو الشركات الملوثة. حتى مع ضعف القضاء، الضغط الإعلامي والدولي قد يُجبر الحكومة على اتخاذ إجراءات شكلية على الأقل (تركيب فلاتر، فرض غرامات).

ب. استغلال أزمة المياه كتهديد وجودي

السياسة المائية العراقية فشلت في تأمين حصص عادلة من نهري دجلة والفرات، كما فشلت في إدارة الموارد الداخلية. الحكومات تعرف أن العراق يفقد سنوياً مساحات زراعية شاسعة وأن الجفاف يُنزح مئات الآلاف من الأسر. لكن لا تحرك يذكر. هنا يمكن:

– ربط المياه بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي: كل هكتار يجف ينتج عائلة نازحة داخلياً، وهو ما يُثقل كاهل الدولة مالياً وأمنياً. تقديم تقارير “تكلفة اللاتحرك” إلى وزارة التخطيط والبرلمان.

– الاستثمار في الاتفاقيات الدولية: بدل انتظار حكومة ضعيفة للتفاوض مع تركيا وإيران، يمكن للخبراء العراقيين المستقلين والمنظمات الحقوقية رفع تقارير إلى الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية عن “حرمان مائي قسري” بفعل سياسات الجوار، مما يضع الحكومة العراقية في موقف محرج يضطرها للمطالبة بحقوقها – ولو شكلية.

ثالثاً: أدوات الضغط على حكومة ضعيفة – استغلال نقاط الضعف ذاتها

نظراً لاستحالة انتظار “حكومة قوية” تظهر فجأة، يجب استغلال السمات البنيوية للفشل الحكومي نفسه:

1. اللامركزية الفعلية والمجالس المحلية

رغم أن القانون العراقي مركزي، إلا أن غياب السيطرة المركزية يخلق فراغاً يمكن للمحافظات النفطية (كالبصرة) أو الزراعية (كالناصرية) ملؤه. الضغط على المحافظين مباشرة بشأن معالجة الدخان الأسود أو تخصيص أراضٍ للتشجير – مع تقديم دعم تقني وإعلامي – قد يكون أسهل من انتظار بغداد.

2. التنافس السياسي بين الكتل

لا توجد حكومة واحدة، بل تحالف هش. يمكن تحويل البيئة إلى “سلعة سياسية” تتبارى الكتل في تبنيها. كيف؟

– إصدار “بطاقة أداء بيئية” لكل كتلة نيابية: من صوّت لصالح مشاريع بيئية، من عرقل، من يمتلك شركات ملوثة. النشر في وسائل الإعلام يخلق تنافساً على استمالة الناخبين الشباب المهتمين بالبيئة (ولو قلة، لكن صوتهم قد يكون حاسماً في دوائر ضيقة).

– تبني مشروع قانون بيئي واحد محدد وواضح (مثل قانون حظر حرق الغاز المصاحب في المناطق السكنية)، والعمل على تمريره عن طريق تحالفات عرضية مع نواب لا يملكون أجندة بيئية لكنهم يريدون “إنجازاً” سريعاً يظهرون به لناخبيهم.

العراق اليوم ليس بحاجة إلى “حكومة بيئية مثالية”، بل إلى آليات تجعل الإهمال البيئي مكلفاً سياسياً واقتصادياً. الفساد والضعف ليسا مجرد عقبات، بل يمكن استغلالهما كأدوات للمساءلة: التنافس بين الكتل يمكن تسييس البيئة فيه، اللاتركيز يوفر منافذ محلية للضغط، والحاجة للشرعية الدولية تخلق قناة تأثير خارجية.

المطلوب ليس يأساً من الواقع، وعي بطبيعته المركبة واستراتيجية ذكية تستغل كل شق فيه. البيئة في العراق ليست قضية للجيل القادم؛ هي ميدان معركة حالي يمكن – ولو جزئياً – إحداث اختراقات فيه، شريطة تحويل العجز الحكومي من عذر إلى فرصة. وحين تصبح تكلفة التلوث أكبر من تكلفة حله ولو بقليل، عندها فقط قد تتحرك آلة الحكم الثقيلة خطوة إلى الأمام.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026