على الرغم من التصاعد الملحوظ في أرقام عمليات الضبط والإخباريات التي تعلنها هيئة النزاهة العراقية خلال عام 2026، يظل السؤال الاستراتيجي الأهم مفتوحاً؛ هل تقترب العراق من حسم معركة الفساد، أم أنها غارقة في “وهم الكم” حيث تتضخم المؤشرات الرقمية دون أن تنعكس على بنية الفساد ذاتها؟ يحلل هذا التقرير البيانات الصادرة عن هيئة النزاهة للأشهر الأربعة الأولى من 2026 (كانون الثاني، آذار، نيسان)، وصولاً إلى الأرقام التراكمية لأوامر القبض والإخباريات، ويخلص إلى وجود فجوة بنيوية بين قدرة النظام على “الكشف” وعجزه عن “المحاسبة الفعلية” و”الردع الجذري”. تكمن الإشكالية الأساسية في تحول مكافحة الفساد إلى دورة إجرائية مستمرة من الضبط والإحالة، دون معالجة جذور الظاهرة المرتبطة بضعف القضاء، وتداخل النفوذ السياسي، وغياب آليات استرداد الأموال وحماية المبلغين.
رغم أن عدد الأحكام القضائية (30) يفوق عدد أوامر القبض الصادرة حديثاً (26) – وهو مؤشر إيجابي نظرياً – إلا أن المعنيين بالملف يؤكدون أن معظم هذه الأحكام تعود إلى قضايا قديمة (عمرها يتجاوز العامين في بعض الحالات)، مما يعني أن النظام القضائي يعمل على “تصفية تراكمات سابقة” وليس على “حسم قضايا حديثة بسرعة”. كما أن تدقيق آلاف استمارات الذمة المالية لا يكشف عن أي عقوبات فعلية على الإخفاقات، إذ غالباً ما تخلو هذه الإجراءات من متابعات جزائية.
تشير البيانات التراكمية الصادرة عن هيئة النزاهة إلى وجود:
– أكثر من 37 ألف إخبار فساد (تبليغات من مواطنين أو موظفين أو جهات حكومية).
– أكثر من 31 ألف قضية جزائية** قيد التحقيق أو التداول القضائي.
هذه الأرقام لا تمثل مجرد مؤشرات إدارية، بل تعكس أزمة بنيوية في منظومة العدالة العراقية. فعندما يتجاوز عدد القضايا المفتوحة 31 ألف قضية، ويكون عدد القضاة المتخصصين في قضايا الفساد (وفق تقديرات غير رسمية) أقل من 200 قاضٍ، فإن الرياضيات البسيطة تقول إن كل قاضٍ سيكون مسؤولاً عن 155 قضية في المتوسط. إذا افترضنا أن كل قضية تحتاج إلى 10 جلسات على الأقل (وهو رقم متفائل جداً)، فإن ذلك يعني حاجة إلى 1550 جلسة لكل قاضٍ، وهو ما يستحيل إنجازه في سنوات عمل معقولة. النتيجة الحتمية هي إطالة أمد القضايا لسنوات (غالباً 5-7 سنوات)، وخلال هذه الفترة تتقادم الأدلة، أو يتوفى المتهمون، أو يتم تسوية القضايا سياسياً.
الإشكاليات البنيوية الثلاثة التي تفسر “النصر الغائب”
أولاً: فصام العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية: هيئة النزاهة (سلطة رقابية) تقوم بالضبط وتحيل الملفات إلى القضاء. لكن القضاء العراقي لا يزال يعاني من ضعف شديد في الاستقلالية، حيث تتدخل الكتل السياسية لتأجيل القضايا أو تبرئة المتهمين أو تخفيف العقوبات بحق “رجالها”. كما أن بعض القضاة يترددون في إصدار أحكام قاسية بحق مسؤولين كبار خوفاً من الانتقام السياسي أو المساس بترقياتهم.
ثانياً: غياب آليات استرداد الأموال المنهوبة: حتى عند صدور أحكام بالإدانة، تواجه العراق صعوبات كبيرة في استرداد الأموال المنهوبة (التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات على مدى عقدين). الأموال غالباً ما تكون مودعة في حسابات مصرفية في سويسرا أو دبي أو تركيا أو لندن، واستردادها يتطلب تعاوناً قضائياً دولياً معقداً وبطيئاً. في عام 2025، على سبيل المثال، لم تسترد العراق سوى أقل من 2% من الأموال التي حكم بها في قضايا فساد كبرى.
ثالثاً: غياب الحماية للمبلغين والشهود: الكثير من قضايا الفساد لا تصل إلى مراحل متقدمة لأن المبلغين (موظفين أو مقاولين أو مواطنين) يخشون على حياتهم. جرائم قتل المبلغين في العراق ليست نادرة، والمتهمون الكبار يمتلكون ميليشيات وحراساً شخصيين وجهات أمنية موالية لهم. دون قانون “حماية الشهود والمبلغين” يتم تطبيقه بصرامة، ستظل معظم الإخبارات (أكثر من 37 ألف إخبار) دون متابعة جادة.
يكشف تحليل أرقام هيئة النزاهة لعام 2026 عن ثلاث حقائق قاسية:
1. الكم لا يعادل النوع: ارتفاع عمليات الضبط من 101 (في كانون الثاني) إلى 181 (في نيسان) يعكس نشاطاً رقابياً متزايداً، لكنه لا يعكس تراجعاً في الفساد. بل قد يعني العكس: الفساد أصبح أكثر جرأة وانتشاراً.
2. نظام العدالة مرهق وغير قادر على الحسم: مع 31 ألف قضية مفتوحة و14,600 أمر قبض غير منفذة بشكل كامل، فإن القضاء العراقي يعمل بأقل من طاقته المطلوبة بعشر مرات. هذا يعني أن متوسط زمن البت في قضية فساد يتجاوز 5 سنوات، مما يجعل العقاب غير رادع.
3. غياب الإرادة السياسية العليا لضرب الفساد بنيوياً: أي معركة حقيقية ضد الفساد تتطلب أولاً “تجفيف منابعه” عبر إصلاح نظام المشتريات الحكومية، وإلغاء الاستثناءات غير القانونية، وتطبيق قانون الكسب غير المشروع بصرامة على كبار المسؤولين. لكن هذه الإجراءات تصطدم بمصالح الكتل السياسية الحاكمة التي تعتبر الفساد “وسيلة تمويل سياسي” و”أداة محاصصة”.
عند مقارنة العراق بتجارب دولية ناجحة (مثل سنغافورة، رواندا، جورجيا بعد ثورة الوردتين)، نجد أن الفارق ليس في “قوانين مكافحة الفساد” (العراق يمتلك قوانين جيدة نظرياً)، بل في تطبيقها وفي القيادة السياسية التي تضع مكافحة الفساد كأولوية قصوى فوق كل الاعتبارات الحزبية والفئوية.
تظل الأرقام الصادرة عن هيئة النزاهة مجرد “مؤشرات كمية” مثيرة للانتباه، لكنها لا تترجم إلى “نصر نوعي”. طالما أن أوامر القبض لا تنفذ، والأموال لا تسترد، والقضايا تتقادم في أروقة المحاكم، فإن معركة مكافحة الفساد في العراق ستبقى “معركة بلا نهاية”، أو كما يصفها بعض المراقبين المحليين: “دورة مستمرة من الكشف دون حسم، توحي بالفاعلية لكنها لا تغير شيئاً جوهرياً”.
المطلوب ليس المزيد من عمليات الضبط أو الإخبارات، بل حزمة إصلاحات متكاملة تشمل: فصل القضاء عن النفوذ السياسي، إنشاء محكمة متخصصة في الفساد الكبرى ذات استئناف محدود، تفعيل قانون حماية المبلغين، وإنشاء وحدة استرداد أموال عراقية تعمل بالتنسيق مع الإنتربول والبنك الدولي. بدون هذه الإصلاحات، ستبقى أرقام عام 2027 و2028 كما هي أرقام 2026: أرقاماً بلا نصر.



