• Home  
  • لماذا ترفض نقابة الفنانين تحويل وزارة الثقافة إلى “غنيمة حزبية” في لعبة المحاصصة
- أخبار

لماذا ترفض نقابة الفنانين تحويل وزارة الثقافة إلى “غنيمة حزبية” في لعبة المحاصصة

في تطور يعكس تصاعد الاحتقان بين المؤسسات الثقافية المدنية والطبقة السياسية في العراق، أعلنت نقابة الفنانين العراقيين (المجلس المركزي) رفضها القاطع لإدراج وزارة الثقافة والسياحة والآثار ضمن نظام المحاصصة الحزبية وتقاسم المناصب الوزارية. واعتبرت النقابة في بيان رسمي أن التعامل مع الوزارة بوصفها “مغنماً حزبياً” أو “ورقة تفاوض” يمثل اعتداءً مباشراً على المشروع الثقافي الوطني، […]

في تطور يعكس تصاعد الاحتقان بين المؤسسات الثقافية المدنية والطبقة السياسية في العراق، أعلنت نقابة الفنانين العراقيين (المجلس المركزي) رفضها القاطع لإدراج وزارة الثقافة والسياحة والآثار ضمن نظام المحاصصة الحزبية وتقاسم المناصب الوزارية. واعتبرت النقابة في بيان رسمي أن التعامل مع الوزارة بوصفها “مغنماً حزبياً” أو “ورقة تفاوض” يمثل اعتداءً مباشراً على المشروع الثقافي الوطني، وتكريساً لمنطق تحويل الدولة إلى حصص، والمؤسسات إلى مكاتب نفوذ.

منذ عام 2003، اعتمد العراق نموذجاً لتقاسم السلطة يقوم على أسس طائفية وعرقية وحزبية، عُرف بـ”المحاصصة”. بموجب هذا النموذج، تُوزع المناصب الوزارية الكبرى (ومن بينها وزارات السيادة) على الكتل السياسية المختلفة وفق مفاتيح تمثيلية لا علاقة لها بالكفاءة أو الخبرة. وزارة الثقافة، رغم حساسيتها وارتباطها بالهوية الوطنية والتراث والوعي الجمعي، لم تكن بمنأى عن هذا المصير، فتداول عليها وزراء من خلفيات حزبية مختلفة، كثير منهم لم يكن يمتلك أي خلفية ثقافية أو فنية، مما أدى إلى تراجع حاد في الأداء الثقافي، وإهدار الميزانيات، وتسريح الكفاءات، وتهميش المشاريع الثقافية الحقيقية.

جاء بيان نقابة الفنانين ليكسر حالة الصمت المطبق التي سادت لسنوات، ويعيد فتح ملف “سيادة المؤسسات الثقافية” وسط حالة من الإحباط المتزايد في الأوساط الفنية والأكاديمية من الأداء الحكومي.

يأتي بيان النقابة في منتصف عام 2026، وهي فترة تشهد فيها العراق استعدادات لانتخابات محلية وبرلمانية محتملة (بحسب الدستور، موعد الانتخابات التشريعية القادمة هو 2027، لكن بعض الكتل تطالب بتقديمها). في هذه الفترة، تشتد التنافسات على المناصب الوزارية المستقبلية، وتعاد فتح ملفات المحاصصة من جديد. النقابة أرادت أن تضع “خطاً أحمر” مبكراً لمنع تكرار سيناريوهات سابقة حيث تم تمرير وزراء ثقافة غير مؤهلين كجزء من صفقات سياسية.

من المتوقع أن تواجه النقابة بضغوط غير مباشرة من بعض الكتل التي تعتبر وزارة الثقافة “حقاً مكتسباً” لها وفق مفاتيح المحاصصة. قد تصدر تصريحات تنتقد “تدخل النقابات في عمل الحكومة”، أو محاولة تشويه صورة النقابة بأنها “مدفوعة من جهات خارجية”. لكن قد تجد النقابة دعماً من أحزاب أخرى ترى في الموقف فرصة لكسب شعبية ثقافية.

البيان لاقى تفاعلاً واسعاً في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أيده فنانون وأكاديميون ومثقفون، معتبرين أن “الكلمة الفصل يجب أن تكون للفنانين وليس للسياسيين فيمن يدير الثقافة العراقية”. هذا التأييد الشعبي قد يشكل حاضنة قوية للنقابة إذا قررت التصعيد.

يمثل بيان نقابة الفنانين العراقيين لحظة فارقة في مسار الصراع بين مؤسسات المجتمع المدني (النقابات والاتحادات) والنظام السياسي القائم على المحاصصة. فإما أن تستجيب القوى السياسية لهذه الصرخة، وتعيد النظر في آليات اختيار وزراء الثقافة، وإما أن تشهد المرحلة القادمة احتقاناً أكبر قد يصل إلى مقاطعة الفنانون للفعاليات الحكومية، أو حتى استقالات جماعية.

الرهان الآن على مدى ضغط النقابة وقدرتها على تحويل كلامها إلى أفعال: هل ستنجح في عقد مؤتمر وطني للثقافة يضم كل القوى الفنية والأدبية لصياغة ميثاق شرف؟ أم سيبقى البيان مجرد خبر يتصدر الصحف ليوم وينتهي؟

في النهاية، كما يقول البيان، “حفظاً لماء الوجه والمنطق” – وهما عملتان نادرتان في السياسة العراقية، لكن الثقافة ربما تكون المجال الوحيد الذي يمكنه إعادة إحيائهما.

على الكتل السياسية أن تستبق الأزمة وتعلن بشكل رسمي أنها لن تضع وزارة الثقافة ضمن حصص المحاصصة، وتدعو إلى تشكيل لجنة من نقابة الفنانين واتحاد الأدباء والكتاب لترشيح شخصيات مستقلة لإدارة الوزارة في الحكومة المقبلة. هذا هو أقل ما يمكن تقديمه لإنقاذ ما تبقى من المشهد الثقافي العراقي.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026