• Home  
  • الحقيقة والحرية: صراع ضد طغيان العصر
- فكر ودراسات

الحقيقة والحرية: صراع ضد طغيان العصر

أحمد عز الدین التاريخ الاجتماعي لا يبدأ بوجود الإنسان فقط، بل يبدأ مع بلوغ الوعي وتشكل المجتمع؛ فالتاريخ الاجتماعي هو عملية نشوء وبناء هذا التشكل، والإبداع فيه مرتبط بكيفية الحياة. لذلك فإن التاريخ الاجتماعي هو زمن الوجود والتكون معًا، حيث يتحقق التكون من خلال تحويل الوعي والخبرة والمعرفة ضمن إطار منظم. ويختلف تطور أشكال الوعي […]

أحمد عز الدین

التاريخ الاجتماعي لا يبدأ بوجود الإنسان فقط، بل يبدأ مع بلوغ الوعي وتشكل المجتمع؛ فالتاريخ الاجتماعي هو عملية نشوء وبناء هذا التشكل، والإبداع فيه مرتبط بكيفية الحياة. لذلك فإن التاريخ الاجتماعي هو زمن الوجود والتكون معًا، حيث يتحقق التكون من خلال تحويل الوعي والخبرة والمعرفة ضمن إطار منظم.

ويختلف تطور أشكال الوعي باختلاف المكان والزمان، وعلى هذا الأساس أدى تطور أنماط الوعي المختلفة إلى تباين في إنتاج الحياة داخل المجتمعات، مما أفرز اختلافات في مجالات الثقافة واللغة وبنية المعتقدات الاجتماعية. وعبر العصور، خاض الإنسان صراعًا مع الطبيعة من جهة، وصراعات مع بني جنسه من جهة أخرى، وبهذا الشكل وصلت عجلة التطور إلى وضعها الحالي. وقد تطورت الإنسانية دائمًا عبر تجديد ذاتها واكتساب معارف وتجارب جديدة، مما أدى إلى تنوعها.

إن وجود العديد من الثقافات واللغات والمعتقدات المختلفة على هذه الأرض التي نعيش عليها اليوم يدل على مدى تطور الخبرة والوعي والمعرفة فيها. ولذلك تُعد هذه الأرض مهدًا لتطور الوعي والمعرفة والتجربة الإنسانية الأولى، وتمثل هذه التعددية إرثًا تاريخيًا غنيًا وعظيمًا، خرجت منه شخصيات وتحولات كبرى مثل:

– معارضة النبي إبراهيم لنمرود الذي أعلن نفسه إلهًا وملكًا.

– ثورة النبي موسى ضد فرعون.

– مقاومة النبي عيسى لواقع قائم على العبودية.

– خروج النبي محمد (ص) ضد التخلف ونظام القبيلة والعبودية في الجزيرة العربية.

وقد وقفت هذه الحركات جميعها في وجه الأنظمة السلطوية، وسعت إلى بناء نظام قائم على العدالة والحرية. وكانت هذه النضالات في جوهرها بحثًا عن الحقيقة وسعيًا نحو الحرية، ومحاولات للوصول إلى وضع أفضل، وهدفها تغيير النظام القائم. وعند النظر إلى التاريخ، نرى أن أعظم التحولات حدثت في فترات الأزمات والفوضى الاجتماعية.

لقد ظهرت الثورات التاريخية من خلال طرح أيديولوجيات بديلة في مواجهة الأيديولوجيات السائدة، ثم تنظيمها والانطلاق في النضال. وكان في جوهرها مطلب الحرية والوقوف ضد الظلم والاستغلال وعدم المساواة، وهي في أساسها إجابة عن سؤال: كيف نعيش؟

ولذلك فإن أي تغيير جذري يحتاج إلى وحدة الفكر والرؤية والعمل، فلا توجد [فكرة بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا فكر]. ومن يعملون في السياسة وقيادة المجتمعات يجب أن يفهموا التاريخ جيدًا، لأنه مليء بالخبرات والدروس؛ فنحن نعيش داخل التاريخ، وهو حاضر في يومنا، كما أن المستقبل كامن في الحاضر.

وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، نجد أن الرأسمالية أنتجت حالة من الفوضى والصراعات، وهو ما يشكل إعادة إنتاج حديثة لأنظمة فرعون ونمرود والإمبراطورية الرومانية، حيث حل المال محل [الإله – الملك]. وقد أصبح الظلم وانعدام العدالة أكثر حدة من السابق؛ فبدلاً من استعباد الشعوب بالقوة، نشأ جيش من العاطلين عن العمل، وتفاقمت الثروات الهائلة، وأصبح كثير من الناس يقبلون أشكالًا جديدة من التبعية من أجل البقاء.

كما أن الحروب المستمرة لعقود، والتي تُدار لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية، أدت إلى مقتل مئات الآلاف وتشريد الملايين، ودفعهم نحو الفقر وانهيار شروط الحياة الإنسانية. وباسم (الدولة القومية) تُدفع مجتمعات مختلفة إلى الاقتتال. كذلك أسهمت الأيديولوجيا الليبرالية في إضعاف البنية الثقافية والأخلاقية للمجتمع، وجعلت الفرد منفصلًا عن محيطه الاجتماعي، مما أدى إلى تفكك المجتمع إلى وحدات صغيرة وإضعافه.

تنطبق هذه الحالة بدرجة كبيرة على العراق اليوم، وإذا لم يتم التعامل مع هذا الواقع بوعي، فإن الحاجة إلى البحث عن بديل تصبح ضرورة. فالشرق الأوسط يتميز بتنوع كبير في الشعوب والثقافات واللغات، وإذا لم تُدَر هذه التعددية بشكل متوازن، فإنها قد تتحول إلى مصدر صراعات. واليوم يتجه العراق تدريجيًا نحو هذا الوضع.

إن الأزمة الحالية هي أزمة عميقة في بنية النظام القائم، وتتجلى في أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ورغم وجود أشكال من المقاومة الثقافية، إلا أن غياب بديل فكري وتنظيمي متماسك يظل عائقًا أمام التغيير. لذلك تبدو الحاجة ملحة لإعادة التفكير في مسألة (التكوين) و(البناء). فالعراق موجود، لكن السؤال الأساسي هو: كيف سيعيش؟

ومن هنا يمكن طرح نموذج [المجتمع الديمقراطي] بوصفه تصورًا يسعى إلى بناء مجتمع أخلاقي وسياسي يوازن بين حرية الفرد ومسؤولية المجتمع، ويعمل على تجاوز الأزمات القائمة.

ويقوم هذا التصور على:

– الاقتصاد الكومونالي (الجماعي): تطوير اقتصاد ديمقراطي يهدف إلى تلبية الاحتياجات الأساسية بدلاً من تعظيم الربح، والحد من الاحتكار، وجعل الاقتصاد في خدمة المجتمع.

– حرية المرأة: اعتبار حرية المرأة أساسًا لتحرر المجتمع، وتعزيز مشاركتها الفاعلة في مختلف المجالات، وضمان تمثيل عادل داخل المؤسسات.

– دور الشباب: تمكين الشباب وإشراكهم في عملية التغيير الاجتماعي، وفتح المجال أمامهم للمساهمة في صنع القرار.

أيديولوجية الليبرالية ونموذج الدولة القومية سبب في تعميق الأزمات الحالية من فقر وصراعات وتفكك اجتماعي، ويُقترح بدلاً من ذلك بناء مجتمع تشاركي يقوم على العدالة والحرية، ويوازن بين الفرد والمجتمع. كما تدعو هذه الرؤية الأفراد إلى تحمل مسؤولياتهم والمشاركة الفاعلة في بناء هذا التصور، من أجل تحقيق مجتمع أكثر إنصافًا وكرامة للجميع.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026