• Home  
  • عندما يكون الزعيم مريضًا
- رأي ومقالات

عندما يكون الزعيم مريضًا

د. شاكر كتاب تتبلور أمام أعيننا جميعًا حالة شاذة تتكرر مرّة أخرى في التاريخ الحديث. فترامب، الذي يعاني من اضطرابات نفسية وخرف متقدم، يفرض نوباته التي تتفاعل بين حين وآخر على مختلف دول وشعوب العالم. ولأنه يولع بالمال، ويدرك أن الطريق إليه يمرّ عبر العقارات والمضاربات العقارية، نراه يحلم باستثمار أراضٍ ومدن ومساحات تنتمي إلى […]

د. شاكر كتاب

تتبلور أمام أعيننا جميعًا حالة شاذة تتكرر مرّة أخرى في التاريخ الحديث. فترامب، الذي يعاني من اضطرابات نفسية وخرف متقدم، يفرض نوباته التي تتفاعل بين حين وآخر على مختلف دول وشعوب العالم. ولأنه يولع بالمال، ويدرك أن الطريق إليه يمرّ عبر العقارات والمضاربات العقارية، نراه يحلم باستثمار أراضٍ ومدن ومساحات تنتمي إلى دول أخرى. هذه ليست متلازمة العظمة التي أصابت موسوليني، ولا جنون التفوق العرقي الذي قاد هتلر إلى الانتحار؛ بل إنها حالة جديدة تجمع بين داء العظمة، وجريمة التفوق العنصري، وشطحات عقلية جنونية، ورغبة عارمة في تعميم تجارب المصارعة الدموية غير المقيدة.

ومثلما كان هتلر وموسوليني محاطين بفرق من الانتهازيين والمجانين من الدرجة الثانية (لأن الدرجة الأولى محجوزة للقادة)، وكانت مهمتهم تقتصر على التأييد والتصفيق والتشجيع وتسريع عمليات التنفيذ، أراد ترامب أن يوظف فوزه التافه في الداخل الأمريكي ضد دول العالم وشعوبها، معتبرًا إياها ليست أكثر من كيانات صغيرة تافهة يمكن استباحتها بسهولة. وهذا ما فعله هتلر تمامًا؛ فقد رأى في انتصاره الانتخابي تذكرة دخول إلى دول العالم، لكنه انهزم ثم انتحر.

يكشف التحليل النفسي الحديث أن الشخصيات التي تعاني اضطرابات النرجسية وجنون العظمة، وتتولى زمام الحكم في دول كبرى، غالبًا ما تسقط في فخ “أوهام القدرة” الذي يدفعها إلى مغامرات خارجية كارثية. فمرض الزعيم لا يقتصر على حالته الفردية، بل ينعكس بشكل دراماتيكي على السياسات العامة، حيث يصبح القرار المصيري للأمة رهينة لحالة نفسية متأرجحة بين الهوس والاضطهاد. هذه الظاهرة، التي عرفها التاريخ في شخصيات مثل كاليغولا وروسبير ونيرون، تتكرر اليوم بأقنعة عصرية أكثر خطورة، لأن أدوات التدمير أضحت شاملة، والتحكم بالإعلام يتيح تحويل الأوهام إلى سياسات رسمية.

والملاحظ أن كل دكتاتور وطاغية يحقق نجاحًا داخليًا (ولو كان مزيفًا) يتطلع فورًا إلى المغامرة خارج حدود بلاده، ويكون هناك مقتله، إذ سينقلب السحر على الساحر. غزّة، وجرينلاند، ومضيق هرمز، وحلف الناتو، والصين — ستتحول كل هذه الملفات والأماكن إلى أدوات حفر ليس فقط لقبر ترامب الشخصي، بل للسقوط المريع للولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بدءًا من تقسيمها وانفصال ولاياتها، وانتهاءً بفقدان كامل هيبتها ومكانتها الدولية. وهذا ما بات يخشاه الكونغرس الأمريكي بقلق متزايد، وتراه بوضوح القوى الكبرى كالصين وروسيا.

ليس من الإنصاف مساواة ترامب بهتلر أو موسوليني في الأيديولوجيا أو التنظيم، بل الخطورة تكمن في كونه قائدًا دون رادع داخلي صلب (بعد انقسام النخب الأمريكية)، ودون منظومة قيمية تردعه، ودون خبرة سياسية تحسب ألف حساب لعواقب التهور. فهو يجمع بين فجاجة رجل الأعمال الذي يتعامل مع الدول كشركات قابلة للاستحواذ، وبين عقد المريض النفسي الذي يرى في الآخر عدوًا يجب ترويضه بالقوة أو الابتزاز الاقتصادي. وهذه الوصفة الجديدة أخطر مما مضى؛ لأنها لا تتبع منطق الأيديولوجيا المتطرفة الذي يمكن تفنيده، بل تعتمد على “عفوية” جنونية تظن أن العالم حلبة مصارعة لا قوانين فيها غير قانون الغاب.

إن دروس التاريخ واضحة، حيث أن كل زعيم يتجاوز حدود العافية النفسية ويحول سلطانه الشخصي إلى أداة عدوان على الآخرين، ينتهي به المطاف إلى كارثة تشمل نفسه وشعبه والعالم. وما يجري اليوم ليس مجرد نوبة عابرة لسياسي أمريكي، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة النظام العالمي على احتواء جنون فرد قد يجر الإنسانية جمعاء إلى حرب لا منتصر فيها. أمامنا خياران: إما أن ندرك مبكرًا أن المرض النفسي للزعيم هو مرض لدولته ومجتمعه، وإما أن ننتظر حتى يسقط هو والعالم في الهاوية التي حفرها بيديه المريضتين.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026