
نازك عبد الوهاب
في عالمنا العربي، تتصدر بين الحين والآخر صور وزيرات ونائبات ورائدات أعمال، ويُحتفى بهن كدليل على “تمكين المرأة” و”حداثة المجتمع”. لكن خلف هذا البريق، يعيش المجتمع بأسره حالة من العوز الاقتصادي، والقهر السياسي، والعبودية للأنظمة والقوى النافذة. السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يجب أن نطرحه بجرأة هو: هل حصول عدد قليل من النساء على مناصب عليا يعني أن المرأة “تحررت”؟ وهل هذه المناصب، في سياق مجتمع غير حر، تعكس كرامة المرأة أو تهينها بشكل أعمق؟
هذا المقال ليس ضد عمل المرأة أو وصولها إلى أعلى المناصب، بل ضد استخدام هذه المناصب كأداة لترويض الشعوب وإيهامها بالحرية، بينما الحقيقة أن المجتمع بأسره – رجالاً ونساءً – يعيش تحت سطوة أنظمة لا تؤمن بالعدالة الاجتماعية أو الحرية الحقيقية.
عندما تحصل امرأة على منصب وزير أو نائب في ظل نظام قمعي، فإنها غالباً لا تملك صلاحيات حقيقية لإحداث تغيير جوهري. قد تكون مجرد “وجه أنثوي” لإضفاء شرعية زائفة على سياسات النظام. في هذه الحالة:
– تُستخدم كغطاء لتبرير الفقر والبطالة، فيقال: “انظروا، امرأة تصل إلى القمة، فالمشكلة ليست في النظام بل في كسل الناس”.
– تُجرد من أي فاعلية حقيقية، فتصبح صورة إعلامية بينما القرارات الحقيقية تُتخذ في غرف مغلقة لا تشارك فيها.
– تُوظف لإسكات النقد، فكل من يتحدث عن تردي الأوضاع يُتهم بـ”معاداة تمكين المرأة”.
في هذا السياق، هذه المرأة لا تحظى بالكرامة رغم منصبها، بل تهان بشكل مضاعف: لأنها أصبحت أداة بيد من يكسرون ظهر مجتمعها.
معنى الحرية الحقيقية عند المرأة
الحرية ليست وظيفة ولا منصباً ولا راتباً. الحرية هي قدرة الإنسان على أن يعيش بكرامة، دون خوف، دون حاجة، ودون إذن من أحد. بالنسبة للمرأة تحديداً، الحرية تعني:
1. التحرر من الخوف المزدوج: الخوف من النظام القمعي، والخوف من مجتمع ذكوري يستخدمها أو يهمشها. المرأة الحرة هي التي تستطيع أن تقول “لا” للظلم أينما كان مصدره، سواء من زوج أو مدير أو وزير أو رئيس دولة.
2. التحرر من العوز الاقتصادي: الوظيفة العليا لامرأة واحدة لا تعني شيئاً إذا كانت ملايين النساء والأسر تعيش تحت خط الفقر، وتعمل في وظائف هشة بلا حقوق، أو تُجبر على الزواج المبكر بسبب الفقر. الحرية الاقتصادية تعني وجود شبكة أمان اجتماعي للجميع، لا منصب لبعض النخبة.
3. التحرر من العبودية للأنظمة: أي نظام يفرض على الشعب (رجالاً ونساءً) الطاعة العمياء، ويقمع الحريات العامة، ويصادر حق الاحتجاج والتغيير، هو نظام لا يعرف للحرية معنى. المرأة التي تشغل منصباً في هذا النظام ليست حرة، بل هي **جزء من آلية القمع**، حتى لو كانت تنوي الخير.
كيف لا تنخدع المرأة بهذا الشكل من “التمكين”؟
لتتجنب المرأة الوقوع في فخ الحرية الشكلية، عليها أن تتبنى وعياً نقدياً يقوم على عدة مبادئ:
1. الفصل بين الذات والمنصب: يجب على المرأة أن تعرف أن منصبها لا يحدد قيمتها. يمكنها أن تكون وزيرة وفي داخلها أسيرة للخوف والرضوخ، ويمكنها أن تكون ربة منزل بسيطة لكنها حرة بوعيها وكرامتها.
2. عدم الانعزال عن هموم المجتمع: أي امرأة تصل إلى موقع قيادي يجب أن تضع شرطاً وحيداً لقبولها: أن تبقى على اتصال حقيقي بمعاناة النساء الفقيرات، والمهمشات، واللاجئات، والضحية. إذا قطعت هذا الاتصال، فإنها تخون قضية المرأة.
3. رفض أن تكون “شاهدة تبرئة” للنظام: يجب على المرأة في المنصب أن ترفض استخدام صورتها لإضفاء شرعية على سياسات قمعية. إذا طُلب منها التزام الصمت عن انتهاكات النظام بحجة “الحكمة” أو “عدم تعكير صورة المرأة”، فعليها أن تختار الاستقالة أو المواجهة.
4. الوعي بأن الحرية قضية مجتمعية شاملة: لا يمكن لأي امرأة أن تكون حرة في مجتمع مستعبد. الحرية الحقيقية للمرأة مرتبطة بتحرر المجتمع كله من القهر الاقتصادي والسياسي والفكري. لذلك، يجب على المرأة أن تناضل من أجل ديمقراطية حقيقية، وعدالة اجتماعية، وسيادة القانون، وليس فقط من أجل مقعد في البرلمان.
متى تكون الوظيفة إضافة للحرية وليس انتقاصاً منها؟
لا نريد أن نُفهم خطأً وكأننا ضد عمل المرأة أو وصولها للمناصب. بالعكس، في مجتمع عادل وديمقراطي، تعتبر مشاركة المرأة في كل مواقع القرار ضرورة. لكن الوظيفة تصبح حرية حقيقية عندما تتوفر ثلاثة شروط:
– أن يكون المجتمع نفسه حراً: لا وظيفة في نظام قمعي تمنح الحرية، لأن الحرية لا تُجزأ.
– أن يكون هناك تكافؤ حقيقي للفرص: ليس فقط لنساء النخبة، بل لجميع النساء بغض النظر عن طبقتهم أو منطقتهم.
– أن تمتلك المرأة سلطة حقيقية على قراراتها: أي أن يكون منصبها ذا معنى فعلي، وليس مجرد صورة دعائية.
الحرية وعي قبل أن تكون وظيفة
المرأة التي تظن أنها حرة لأنها أصبحت وزيرة أو نائبة في نظام قمعي، هي امرأة لم تفهم الحرية بعد. لقد خُدعت بالشكل وجُردت من الجوهر. الحرية الحقيقية هي أن تكون المرأة قادرة على رفض الظلم أينما كان، وأن تقف إلى جانب شعبها لا فوقه، وأن تكشف الأقنعة عن الأنظمة التي تستخدم النساء كورق توتية لتبرير فقر وغضب الملايين.
لن تتكرر المرأة بقدر ما تتكرر الوظائف. وكرامتها ليست في منصب تشغله، بل في وعيها الذي لا يُشترى، وفي صوتها الذي لا يُسكت، وفي انتمائها الحقيقي لنضال شعبها نحو الحرية والعدالة والكرامة للجميع، رجالاً ونساءً.
“الحرية ليست أن تصلي إلى القمة في سجن كبير… الحرية هي أن تهدم السجن كله.”


