في وقت تتراجع فيه الآمال الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، وتبدو فيه لغة التهديد والتصعيد هي المسيطرة على المشهد، تبرز باكستان مجدداً كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، ممسكة بخيوط الوساطة التي قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب انفجار شامل في المنطقة.
فمنذ اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة بين القوات الأميركية والإيرانية في أواخر شباط 2026، لعبت باكستان دور “الوسيط الصامت” الذي لا يعلن عن كل تحركاته، لكنه يتحرك بثبات خلف الكواليس. وفي مؤتمر صحفي عقده المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، في العاصمة إسلام آباد، كشفت إسلام آباد عن تفاصيل جديدة لجهودها، مؤكدة أنها لا تزال تحافظ على قنوات اتصال مفتوحة مع واشنطن وطهران على أعلى المستويات.
لماذا باكستان؟ – دوافع الوساطة ومصالحها الاستراتيجية
لا تأتي الوساطة الباكستانية من فراغ، بل تستند إلى دوافع استراتيجية عميقة:
- الأمن القومي الباكستاني حيث أي حرب إقليمية موسعة ستنعكس مباشرة على باكستان، التي تحد إيران من الغرب ولديها حدود طويلة معها. كما أن باكستان تستضيف ملايين اللاجئين الأفغان، ولا تريد جبهة جديدة.
- الاعتماد على الطاقة. حيث أن باكستان تعاني من أزمة طاقة حادة، وأي تصعيد في هرمز سيؤثر على وارداتها النفطية (حتى وإن كانت أقل من دول أخرى) ويزيد من تكاليف الشحن.
- التوازن مع الهند. باكستان لا تريد حرباً تشغل قواتها على حدودها الغربية مع إيران، بينما تبقى الحدود الشرقية مع الهند مشتعلة. استقرار الجبهة الغربية هو أولوية قصوى.
- العلاقة التاريخية مع طهران. باكستان وإيران تجمعهما علاقات جوار وثيقة، وتعاون أمني في ملفات مثل مكافحة التهريب والإرهاب. إسلام آباد تستطيع أن تقول أشياء لطهران لا تستطيع واشنطن قولها. |
العقبات في طريق الوساطة – لماذا لم تنجح بعد؟
رغم الجهود المكثفة، لا تزال الفجوة بين الطرفين كبيرة، وتقف عقبات جوهرية أمام أي انفراجة:
أولاً: شروط إيران المسبقة:
تصر طهران على أن رفع الحصار البحري والاقتصادي هو الشرط المسبق لأي مفاوضات. وبحسب تصريحات الرئيس بزشكيان، فإن “المفاوضات تحت التهديد والحصار هي مفاوضات مفروضة لن نخوضها”. هذا الموقف يجعل من الصعب حتى بدء حوار تمهيدي.
ثانياً: الموقف الأميركي المتشدد:
واشنطن، ممثلة بالرئيس ترامب، تريد ضمانات واضحة ومكتوبة بشأن:
– وقف برنامج التخصيب الإيراني عند مستويات منخفضة (أقل من 3.67%).
– تفكيك شبكة الوكلاء الإقليميين (حزب الله، الحوثيون، الميليشيات العراقية).
– ضمان حرية الملاحة في الخليج ومضيق هرمز دون عراقيل.
ترامب يعتبر أن أي تنازل عن هذه المطالب قبل بدء المفاوضات هو “مكافأة للابتزاز الإيراني”.
ثالثاً: انعدام الثقة المتبادل:
أربعة عقود من العداء، وعقود من الخروقات والاتهامات، جعلت الثقة بين الطرفين شبه معدومة. كل طرف يخشى أن تستخدم المفاوضات لكسب الوقت لتحقيق مكاسب عسكرية أو نووية.
رابعاً: الوساطة الباكستانية تواجه ضغوطاً داخلية:
باكستان نفسها تمر بأزمة اقتصادية خانقة، وعدم استقرار سياسي نسبي. الحكومة الباكستانية لا تملك ترف الوقت الكافي لاستثماره في وساطة قد تستغرق شهوراً أو سنوات.
باكستان بين المطرقة والسندان
تجد باكستان نفسها اليوم في موقع حساس: فهي تريد أن تكون “صانعة سلام”، لكنها لا تملك العصا السحرية لإجبار الأطراف على الجلوس. الرهان الباكستاني على أن “الوقت يعمل لصالح الدبلوماسية” قد يكون صحيحاً، لكنه رهان خطير في منطقة تشتعل فيها النار من كل حدب وصوب.
السؤال الحقيقي ليس “هل تنجح باكستان؟” بل “هل يريد الطرفان حقاً النجاح أم أن كل طرف يستخدم الوقت لتحسين موقفه التفاوضي أو العسكري؟”. إذا كان الجواب الثاني، فإن جهود باكستان، مهما بلغت من إخلاص، ستبقى مجرد “صمام أمان” مؤقت يؤجل الانفجار، لا حلاً دائماً ينهي الأزمة.
الأيام القادمة، خصوصاً مع تحركات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في موسكو ومسقط، ومع أي إشارة أميركية جديدة (ربما عبر قناة عمانية أو قطرية)، قد تحمل مفاجآت. لكن حتى إشعار آخر، تبقى باكستان اللاعب الأكثر حضوراً في لعبة الوساطة الإقليمية، وإن كانت كفتها قد لا ترجح الميزان وحده.



