
يمثل يوم العمال العالمي محطة فارقة في تاريخ الحركة الاحتجاجية العمالية في جميع دول العالم، إذ جاء تعبيرًا عن رفض الأنظمة الرأسمالية والطبقة البرجوازية التي استغلت طاقات العمال بهدف تحقيق الربح وزيادة مداخيلها على حساب القوة العاملة في كافة المعامل ومواقع الإنتاج.
يعود الأصل التاريخي لهذا اليوم إلى عام 1886، عندما نظم مئات الآلاف من العمال الأمريكيين إضرابات واسعة للمطالبة بتخفيض ساعات العمل اليومية، مما أدى إلى مواجهات عنيفة مع الشرطة نتيجة تلك الاحتجاجات. وفي الأول من مايو من العام نفسه، رفع العمال في شيكاغو شعار “ثماني ساعات عمل، ثماني ساعات راحة، ثماني ساعات فراغ”، ليصبح هذا التاريخ لاحقًا رمزًا عالميًا للعمال. وقد بدأ الاحتفال به رسميًا في الأول من مايو عام 1889، بناءً على قرار المؤتمر النقابي الدولي المنعقد في باريس.
الحركة العمالية العراقية: تاريخ من النضال
تُعد الحركة العمالية العراقية من أنشط الحركات العمالية في الشرق الأوسط. فقد شكلت إضرابات العمال في العراق رمزًا طبقيًا وقوة عمالية واجهت السلطات الاستعمارية البريطانية والحكومة العراقية آنذاك. بدأت الإضرابات في الأعوام 1919 و1920 في الموانئ العراقية، كما شهد العراق إضرابًا عماليًا مهمًا في منطقة “كاور باغي” بتاريخ 1 يوليو/تموز 1946. ورغم القمع الوحشي الذي تعرض له العمال، تمكنوا من تحقيق مطالبهم الأساسية، وفي مقدمتها تقليص ساعات العمل، وزيادة الأجور، وضمان حقوق العمال في كافة المجالات.
صدر أول قانون عمل في العراق عام 1932، وكان العراق آنذاك من البلدان المتقدمة في مجال حرية التنظيم النقابي. وقد لعبت النقابات دورًا أساسيًا في مواجهة الاحتلال البريطاني، خاصة خلال انتفاضة عام 1948 التي عُرفت باسم “وثبة كانون”. وهذا يؤكد أن للعمال قوة أساسية قادرة على تغيير الواقع السياسي غير العادل والمنحاز ضد حقوقهم.
محطات نضالية فاصلة
في 11 مايو/أيار 1968، شهد العراق إضرابًا لعمال شركة الزيوت، حيث طالبوا بتوزيع الأرباح عليهم. ورغم أن النظام البعثي كان قد تسلم السلطة قبل خمسة أشهر فقط، فإنه أظهر قسوة بالغة في التعامل مع العمال. فقد تعرض العمال لأشد أنواع القمع البوليسي، وحاصرت قوة عسكرية مسلحة شركة الزيوت النباتية في بغداد، مما أدى إلى مقتل العامل جبار لفته. ومع ذلك، ظل العمال موحدين، وكان خطابهم يعكس وعيًا طبقيًا وسياسيًا متقدمًا. وكان العمال أول من تصدى لجبروت النظام البعثي المتشدد، مما يؤكد أن الأنظمة الدكتاتورية والقمعية لا ترهب العمال، ولا تضعف إرادتهم في تحقيق أهدافهم الطبقية والإنسانية.
قمع منظم وإرث قانوني ظالم
لطالما كانت السلطات المتعاقبة على حكم العراق معادية للحركة العمالية، وسعت بكل الطرق إلى تشتيتها. ففي عام 1978، أصدر صدام حسين قرارًا رقم 150 بهدف تحويل العمال إلى موظفين “حكوميين” لإضعاف وحدة الطبقة العاملة. كما صدر قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1978، الذي منع التنظيم النقابي في القطاع العام، واقتصر على النقابات في القطاع الخاص والمختلط فقط. والمفارقة أن قانون التنظيم النقابي رقم 52 لسنة 1978 لا يزال ساري المفعول في العراق حتى اليوم، حيث يحظر حرية التنظيم النقابي داخل الشركات والقطاعات الحكومية عمومًا. ولذا، تواصل الحركة العمالية العراقية نضالها من أجل إلغاء هذا القانون الجائر، لكن الحكومة والبرلمان لم يجريا أي تعديل يذكر لصالح الطبقة العاملة، للأسف الشديد.
يعاني العمال في كل مكان من بطش النظام الرأسمالي الذي ينهل من جهودهم لتحقيق أرباحه، وتبقى الطبقة العاملة تناضل من أجل انتزاع حقوقها المشروعة، وفي مقدمتها حرية التنظيم، وساعات عمل عادلة، وأجور كريمة، والعيش بكرامة إنسانية.


