• Home  
  • السياسة في ظل التحولات الراهنة
- فكر ودراسات

السياسة في ظل التحولات الراهنة

احمد عزالدين ​تعرف السياسة تقليدياً بأنها “فن إدارة المجتمعات” وتحقيق التوازن بين القوى المتصارعة، إلا أن التحولات الراهنة كشفت عن وجه آخر للسياسة بصفتها “فن المناورة” لتحقيق المكاسب عبر التلاعب بالبنى القانونية. ​إن الإشكالية الجوهرية تكمن في “وقوع القانون في فخ السياسة“، فالقانون الذي يفترض أن يكون ضابطاً للسلطة وحامياً للحقوق، استحيل في يد القوى […]

احمد عزالدين

​تعرف السياسة تقليدياً بأنها “فن إدارة المجتمعات” وتحقيق التوازن بين القوى المتصارعة، إلا أن التحولات الراهنة كشفت عن وجه آخر للسياسة بصفتها “فن المناورة” لتحقيق المكاسب عبر التلاعب بالبنى القانونية.

​إن الإشكالية الجوهرية تكمن في وقوع القانون في فخ السياسة، فالقانون الذي يفترض أن يكون ضابطاً للسلطة وحامياً للحقوق، استحيل في يد القوى العظمى إلى أداة “شرعنة”، يتم توظيف شعارات براقة مثل التغير الديمقراطي وحقوق الإنسان، والرفاهية كغطاء قانوني وأخلاقي لتمرير أجندات جيوسياسية قاسية، مما يجعل “سلطة القانون” مجرد واجهة لتنفيذ إرادة القوة.

​التاريخ ليس سلسلة من الأحداث العشوائية، بل هو نسق متصل يشبه “المسلسل الدرامي” الذي لا يمكن فهم نهايته دون استيعاب مشاهده الأولى، تبرز الأوبئة تاريخياً كعوامل محفزة لنهوض سقوط الأنظمة السياسية؟

  1. عصر الدولة الحارسة 1720عقب طاعون مرسيليا، برزت الحاجة إلى السلطة المركزية في فرنسا.
  2. عصر التوسع الاستعماري 1820 تزامنت جائحة الكوليرا مع انفجار الثورة الصناعية وحاجة القوى الأوروبية للعبور فوق الحدود الجغرافية.
  3. عصر المؤسسات والدولة القومية 1920 أدت جائحة الإنفلونزا الإسبانية، بالتزامن مع الحرب العالمية الأولى، إلى الانهيار التام للإمبراطوريات التقليدية (العثمانية، النمساوية المجرية، والبروسية). هنا ولد نظام “الدولة القومية” القائم على وحدة اللغة والعرق والعلم، وهو ما اعتبره هيغل “قمة التطور الروحي”، ورآه روسو تجسيداً لـ “الإرادة الشعبية”.
  4. عصر التفكك 2020 وما بعدها يبدو أن جائحة كورونا كانت الإيذان الرسمي بانهيار نموذج “الدولة القومية” الذي ساد لقرن كامل، الصراعات المتفجرة حالياً، من أوكرانيا إلى غزة، هي مؤشرات على تداعي الحدود القديمة وبحث النظام العالمي عن “هيكلية جديدة”.

​تميزت السياسة العالمية في القرن العشرين بأنها كانت “تدير المشاكل ولا تحلها”. كان الهدف إبقاء بؤر التوتر مشتعلة لضمان التبعية للقوى الكبرى. وتتجلى هذه الاستراتيجية في:

  • القضية الفلسطينية والكوردية: أزمات بنيوية تركت بلا حلول جذرية لتكون “صمامات أمان” أو “أدوات ضغط” عند الحاجة.
  • الصراع الكشميري والكوري: نماذج لصراعات مجمدة تضمن استمرار سباق التسلح والارتهان للمظلات الدولية.
  • النموذج القومي المشوه: فُرِض نظام الدولة القومية المركزية على الشرق الأوسط (22 دولة عربية) رغم أن نسيجه الاجتماعي (تعدد الأعراق والمذاهب) لا يتوافق مع هذا القالب، مما أدى لظهور “كراهية الأقليات” ومحاولات “إبادة الثقافات” لصالح هوية مركزية قسرية.

​بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، دخل العالم مرحلة الرأسمالية الشاملة التي لا تعترف بالحدود السيادية. بدأت هذه المرحلة بوضوح مع:

  • التدخل في العراق 2003 الذي مثل الرصاصة الأولى في قلب نظام الدولة القومية في المنطقة.
  • الفوضى المنظمة 2011 أحداث الربيع العربي، ظهور التنظيمات العابرة للحدود (مثل داعش)، والتحولات في القيادات السياسية (مثل ظاهرة الجولاني مؤخراً)، كلها تشير إلى رغبة دولية في تحويل الدول الكبرى إلى “دويلات” أو “كانتونات” ضعيفة.

​إن ما نراه في سوريا، لبنان، واليمن والعراق ليس مجرد “أزمات عابرة”، بل هو صياغة لأنظمة “مؤقتة” وغير مستقرة، تهدف وظيفياً إلى تهيئة المسرح لتفكيك القوى الإقليمية الكبرى (تركيا وإيران)، لضمان عدم بروز أي قطب إقليمي يعيق الهيمنة العالمية.

​إن النظام العالمي الجديد يحتاج إلى “وقود” لاستمرار تفوقه، وهذا الوقود هو الحرب الدائمة. التوقعات الأكاديمية تشير إلى:

  1. استمرار التقسيم: لن تتوقف الحدود عند ما رسمته “سايكس بيكو”، بل نحن نتجه نحو تقسيم أصغر يعتمد على الهويات الفرعية.
  2. استدامة العداء: تغذية الكراهية بين الشعوب لضمان عدم وجود تحالفات إقليمية حقيقية.
  3. تآكل السيادة: تحول الدول إلى مجرد “ساحات” لتصفية الحسابات الدولية أو “ممرات” للطاقة والتجارة العالمية.

​إن فهم المشهد الحالي يتطلب التوقف عن رؤية الأحداث كأزمات منفصلة، بل كجزء من استراتيجية كونية كبرى تهدف إلى إعادة صياغة العالم وفق مقتضيات ما بعد الدولة القومية، حيث السيادة للقوة، والقانون للغطاء، والشعوب للوقود.

إننا نمر بمرحلة تاريخية مفصلية تفرض علينا ألا نكون مجرد أدوات أو بيادق في صراعات القوى العظمى، إن استحقاق المرحلة يتطلب منا فهماً عميقاً للتحولات الجارية لنصبح جزءاً فاعلاً في هذا التغيير، ونمتلك كشعوب لهذه الجغرافيا حق تقرير مصيرنا ورسم معالم مستقبلنا.

​وبناءً على هذه المعطيات والتحليلات التاريخية، ندرك أننا نعيش مخاضاً تغييرياً يستوجب امتلاك خط إيديولوجي، واستراتيجية سياسية واضحة، ومن هنا، ينبع إيماننا بأن التعايش السلمي، والحياة المشتركة، ومشروع الأمة الديمقراطية، هي السبيل الوحيد للحفاظ على نسيج شعوب المنطقة وحمايته من التمزق والتقسيم.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026