• Home  
  • صراع السلطة على مستقبل العراق، ومكانته الدولية والإقليمية
- Uncategorized - فكر ودراسات

صراع السلطة على مستقبل العراق، ومكانته الدولية والإقليمية

ابراهيم يوسف يشهد العراق منذ سنوات حالة مستمرة من التنافس والصراع السياسي على السلطة، وهي حالة لم تعد مجرد خلافات طبيعية داخل نظام ديمقراطي ناشئ، بل تحولت إلى عامل بنيوي يؤثر بشكل مباشر على استقرار الدولة ومستقبلها السياسي والاقتصادي، بل وحتى على موقعها في المعادلات الإقليمية والدولية. أولاً: الدولة بين منطق الشراكة ومنطق الغلبة بعد […]

ابراهيم يوسف

يشهد العراق منذ سنوات حالة مستمرة من التنافس والصراع السياسي على السلطة، وهي حالة لم تعد مجرد خلافات طبيعية داخل نظام ديمقراطي ناشئ، بل تحولت إلى عامل بنيوي يؤثر بشكل مباشر على استقرار الدولة ومستقبلها السياسي والاقتصادي، بل وحتى على موقعها في المعادلات الإقليمية والدولية.

أولاً: الدولة بين منطق الشراكة ومنطق الغلبة

بعد عام 2003، تأسس النظام السياسي العراقي على مبدأ التوافق بين المكونات السياسية، بهدف منع عودة الاستبداد وضمان التمثيل المتوازن. غير أن هذا النموذج تطور تدريجيا إلى نظام محاصصة سياسية، أصبحت فيه السلطة غاية بحد ذاتها لا وسيلة لإدارة الدولة.

الصراع لم يعد حول البرامج أو الرؤى الاقتصادية والتنموية، بل حول السيطرة على مؤسسات الدولة ومصادر النفوذ والموارد، مما أدى إلى إضعاف مفهوم الدولة لصالح الولاءات الحزبية والفئوية. ونتيجة لذلك، تراجعت فعالية المؤسسات الحكومية، وتعطل اتخاذ القرارات الاستراتيجية طويلة الأمد.

ثانياً: انعكاسات داخلية خطيرة.

الصراع السياسي المستمر أنتج عدة تداعيات داخلية أبرزها:

. الشلل الحكومي وتأخر إقرار القوانين الإصلاحية.

. تراجع ثقة المواطن بالعملية السياسية ومؤسسات الدولة.

. تصاعد الاحتجاجات الشعبية نتيجة ضعف الخدمات والبطالة والفساد.

. إضعاف هيبة القانون نتيجة تداخل النفوذ السياسي مع المؤسسات الأمنية والإدارية.

إن استمرار هذه الحالة يهدد بتحويل الأزمات السياسية إلى أزمات اجتماعية واقتصادية عميقة، خاصة في ظل التحديات الديموغرافية وارتفاع نسبة الشباب الباحثين عن فرص عمل ومستقبل مستقر.

ثالثاً: تراجع المكانة الإقليمية للعراق

يمتلك العراق مقومات تجعله لاعباً محورياً في الشرق الأوسط: موقع جغرافي استراتيجي، موارد طاقة ضخمة، وعمق حضاري وسياسي…  لكن الصراع الداخلي أضعف قدرته على لعب دور إقليمي متوازن.

فبدلاً من أن يكون جسرا للتفاهم بين القوى المتنافسة في المنطقة، أصبح العراق في كثير من الأحيان ساحة لتقاطع النفوذ الإقليمي. فقد أصبح غياب الاستقرار السياسي الداخلي يقلل من قدرة بغداد على صياغة سياسة خارجية مستقلة وواضحة، ويجعل مواقفها عرضة للتغير تبعا للتوازنات الداخلية.

رابعاً: التأثير على المكانة الدولية للعراق.

 فعلى المستوى الدولي، المؤكد والثابت أن قوة الدول تقاس بقدرتها على الاستقرار المؤسسي واستمرارية السياسات. إذ أن الصراع السياسي المتكرر يرسل رسائل سلبية إلى المجتمع الدولي، منها:

. عدم وضوح البيئة الاستثمارية.

. ضعف القدرة على تنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية طويلة الأمد.

. تردد الشركات العالمية في الاستثمار رغم الإمكانات الكبيرة.

. انخفاض ثقة الشركاء الدوليين باستدامة السياسات الحكومية.

وبذلك يخسر العراق فرصاً اقتصادية ودبلوماسية كان يمكن أن تعزز موقعه كقوة صاعدة في المنطقة.

خامساً: الاقتصاد ضحية الصراع السياسي

فالاقتصاد العراقي يبقى شديد الارتباط بالاستقرار السياسي، وكل أزمة حكومية تؤدي إلى:

. تعطّل مشاريع البنية التحتية.

. تأخر الإصلاحات الاقتصادية.

. استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط.

. هروب رؤوس الأموال المحلية.

. بغياب رؤية اقتصادية مستقرة، يصبح الاقتصاد رهينة التقلبات السياسية بدلاً من أن يكون محركاً للاستقرار.

سادساً: هل ما زالت هناك فرصة…؟

أقول: نعم فرغم التحديات، لا يزال العراق يمتلك فرصة حقيقية لاستعادة دوره الإقليمي والدولي، بشرط الانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى مشروع بناء الدولة. وإن ذلك يتطلب:

. ترسيخ مبدأ المواطنة فوق الانتماءات الفرعية.

. إصلاح النظام السياسي باتجاه الكفاءة والمساءلة.

. تحييد المؤسسات السيادية عن الصراع الحزبي.

. اعتماد سياسة خارجية متوازنة قائمة على المصالح الوطنية.

إن مستقبل العراق لا يتحدد فقط بموارده أو موقعه الجغرافي، بل بقدرته على إنتاج نظام سياسي مستقر يضع مصلحة الدولة فوق صراع السلطة.

ان الصراع على السلطة في العراق لم يعد شأنا سياسياً داخلياً فحسب، بل أصبح عاملاً حاسماً في تحديد مكانة البلاد إقليمياً ودولياً. فإما أن يتحول التنافس السياسي إلى أداة لبناء دولة قوية، أو يبقى سبباً في إضعافها وإبقائها ضمن دائرة الأزمات.

ويبقى السؤال الجوهري: هل تستطيع القوى السياسية الانتقال من صراع النفوذ إلى شراكة الدولة…؟

الإجابة على هذا السؤال ستحدد شكل العراق في السنوات القادمة… دولة مؤثرة في محيطها الاقليمي والدولي، أم ساحة تتأثر بما يدور حولها…

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026